ثمّ أولئك الذين يواجهون الأحداث وجهاً لوجه يجب أن لا ينهاروا ، ألّا يفقدوا إرادتهم بين ساعة وأخرى ، وأن لا يشعروا بأنّ حلَّ المشكلة هو أن يغادروا أرض الله الطيّبة هنا ، ويذهبوا إلى أرض أخرى . هذا لا يحلُّ المشكلة ، هذا هو الذي يجعل الكيان يتفتّت ويجعل هذه الحوزة تنتهي باختيار ، بعمل اختياري لا بعمل قسري . وهذا هو الذي يعطي أكبر الأضرار على الإسلام والمسلمين .
إنّ هذا البلد ، إنّ هذه الأرض ، إنّ الإسلام الذي قام بإعالتك ، قام بالإنفاق عليك أو عليّ ، قام بإعالتنا والإنفاق علينا . . هذا الإسلام نحن مدينون له بوجودنا ، مدينون له بأموالنا ، مدينون له بكرامتنا ، بعزّتنا ، بكلّ ما نملك من اعتبار ، هذا الإسلام إذا كلّفنا أن نقيم على الضيم أسبوعاً ، أو أسبوعين ، شهراً أو شهرين ، أن نتحمّل الأذى في سبيل الله ، أن نصمد ، أن نصبر في سبيل أن لا يتفتّت ، في سبيل أن يواصل وجوده حتّى تنكشف هذه الأزمة عن الإسلام والمسلمين . . إذا كلّفنا ذلك فليس هذا التكليف بالنسبة إلينا تكليفاً غير طبيعي . لأنّه هو المحسن الذي كان دائماً يقدّم ونحن نأخذ ، الذي كان دائماً يتفضّل ونحن نستفيد ، الذي كان دائماً يسدّد ونحن نتمتّع بكلِّ ما يقدّم لنا من خيرات ومكاسب وجاه عريض .
ما هو جاهنا ؟ ! ما هو اعتبارنا لولا الإسلام ؟ ! بمَ نصول ؟ ! بمَ نجول إلّا بالاسلام ؟ ! بمَ عشنا طيلة هذه المدّة ؟ ! بمَ استقطبنا ؟ ! من استقطبنا من قلوب المؤمنين ! ؟
أيُّ واحد منكم لا ينفذ إلى قلب شخص إلّا عن طريق الإسلام . كلُّ من تجدونه يقدّركم إنّما يقدّركم على أساس الإسلام . فلا تبيعوا الإسلام بثمن رخيص . . لا تبيعوه بانسحاب سريع لا مبرّر له ! لا يوجد هناك مبرّر لمثل هذا الانسحاب إلّا ذلك الشعور الضيّق ! !
اللهمّ املأ قلوبنا إيماناً . اللهمّ اجعلنا على مستوى المسؤوليّة . اللهمّ امدّنا بإمداد منك . . اللهمّ اجعلنا نعيش المحنة كما يعيشها المؤمنون الصابرون الصامدون ، الذين يعيشونها لله لا لأنفسهم . اللهمّ ذكّرنا دائماً بأنّ عليَّ بن أبي طالب ( ع ) حينما وقف يقاتل عمرو بن عبد ودّ وحينما عاش لحظة الغضب لنفسه توقّف عن قتل عمرو بن ودّ حتّى يرجع إليه غضبه لله تعالى وحتّى يتألّم لله « 1 » .
اللهمّ ذكّرنا بذلك حتّى تجعل ألمنا دائماً لله لا لأنفسنا ، للإسلام لا لمصالحنا ، للكيان العام لا لوجودنا .
[ محنة المدّ الأحمر في العراق ]
أنا حينما مرّ بالعراق المدُّ الأحمر الشيوعي ، حينما مرّ ذلك المدّ الشيوعي بالعراق كنتُ ألف مرّة ومرّة أمتحن نفسي ، أوجّه إلى نفسي هذا السؤال : أنّي أنا الآن أشعر بألمٍ شديد لأنّ العراق مهدّد بخطر أن يصبح شيوعيّاً ، لكن هل أنّي سوف أشعر بنفس هذا الألم ، بنفس هذه الدرجة لو أنّ هذا الخطر وجّه إلى إيران بدلًا عن العراق ، لو وجّه إلى باكستان بدلًا عن العراق وإيران ، لو وجّه إلى أيّ بلد آخر من بلاد المسلمين الكبرى بدلًا عن هذه البلاد . هل سوف أشعر بنفس الألم أو لا أشعر بنفس الألم ؟
أوجّه هذا السؤال إلى نفسي حتّى أمتحن نفسي لأرى أنّ هذا الألم الذي أعيشه لأجل تغلغل الشيوعيّة في العراق هل هو ألمٌ لخبزٍ سوف ينقطع عنّي ؟ ! لمقامٍ شخصيٍّ سوف يتهدّم ؟ ! لكيانٍ سوف يضيع ؟ ! لأنّ
مصالحي الشخصيّة مرتبطة بالإسلام إلى حدٍّ مّا ، فهل أنّ ألمي لأجل أنّ هذه المصالح الشخصيّة في خطر ؟ ! ذا كان هكذا . .
إذاً فسوف يكون ألمي للشيوعيّة في العراق أشدَّ من ألمي للشيوعيّة في إيران . . أو أشدَّ من ألمي للشيوعيّة في باكستان . وأمّا إذا كان ألمي لله تعالى ، إذا كان ألمي لأنّي أريد أن يعبد الله في الأرض ، وأريد لا يخرج الناس من دين الله أفواجاً . . فحينئذٍ سوف أرتفع عن حدود العراق وإيران وباكستان ، سوف
هامش
( 1 ) بحار الأنوار 51 : 41 .