تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
تقول الرواية : إنّه قبل أن يوقّع هذه الوثيقة ، إنّه قبل أن يوقّع هذا الملك المسكين التعيس وثيقة إعدامه ، وإعدام دينه وعقيدته وأمّته في ذلك البلد نظر نظرة ، ثمّ قال : أشهد أن لا إله إلّا الله ، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله . فضجّ الأمراء الذين كانوا حوله قائلين : أشهد أن لا إله إلّا الله ، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله . قال : ولكن لا رادَّ لقضاءِ الله ، ولا رادَّ لأمر الله تعالى . ثمَّ وقّع على هذه الوثيقة التي أدّت إلى فناء الإسلام في إسبانيا « 1 » . هل كانوا مسلمين ؟ ! نعم كانوا مسلمين . كان يريد أن يؤكّد إسلامه في آخر لحظة . وقّع على وثيقة إعدام الإسلام ، وتشهّد الشهادتين حينما وقّع على هذه الوثيقة . لكن ما قيمة هاتين الشهادتين ؟ ! لأنّه لم يذكر الشهادتين إلّا حينما واجه خطر هذه الوثيقة ، إلّا حينما أصبح ملكه وسلطانه كلّه في غمرة هذا الخطر . كان هذا الرجل نفسه وكان غيره من الأمراء المحيطين به يعيشون حالة التفتّت والتناقض والانشغال بأمرهم عن الله إلى اليوم الأخير من حياتهم ، لهذا لم ينفعهم شعورهم بالاتّصال بالله في اللحظة الأخيرة ، في لحظة الغرق ، هذا لم ينفعهم . لا بدّ من أن يعيش الإنسان خطّه الطويل متّصلًا بالله تعالى حتّى يمكن أن يترقّب من الله الاستجابة لدعائه ، والإمداد والمعونة ، المساندة والمعاضدة له في علمه . [ 2 - أخلاقيّة الإنسان اللاعامل ] الأمر الثاني والعامل الثاني : هو الأخلاقيّة ، أخلاقيّة الإنسان العامل . نحن أخلاقيّتنا التي نعيشها لم تكن أخلاقيّة الإنسان العامل . هناك مظاهر أساسية للأخلاقيّة التي كنّا نعيشها . وهذه الظاهرة هي أبعد ما تكون عن أخلاقيّة الإنسان العامل الذي يريد أن يحمل رسالة الله والذي يريد أن يمثّل الأنبياء على الأرض . هذه الأخلاقيّة لا بدّ لنا أن نطوّرها من نفوسنا ، لا بدّ لنا أن نغيّر هذه الأخلاقيّة ونفتح بالتدريج أخلاقيّة الإنسان لكي نُهيّء الأرضيّة النفسيّة التي يقام على أساسها العمل الصحيح . [ أ - روح التضحية والإيثار ] الأخلاقيّة التي كنّا نعيشها من نقاطها الرئيسيّة الارتباط بالمصلحة الشخصيّة بدلًا عن الاستعداد للتضحية . نحن بحاجة إلى أخلاقيّة التضحية بدلًا عن أخلاقيّة المصلحة الشخصيّة . نحن بحاجة إلى أن نكون على أهبّةٍ لإيثار المصلحة العامّة للكيان على المصلحة الخاصّة لهذا الفرد أو لهذا الفرد . نحن لا بدّ لنا من أخلاقيّة التضحية بالمصالح الخاصّة في سبيل المصالح العامّة ، أمّا ما كنّا نعيشه ، أمّا ما كان موجوداً فهو على الغالب إيثار للمصلحة الخاصّة على المصلحة العامّة . كنّا نعيش لمصالحنا ، وكنّا لا نعيش للمصلحة العامّة حينما تتعارض مع مصالحنا الخاصّة . وهذه النزعة الأخلاقيّة - النزعة الأخلاقيّة التي تتّجه نحو المصلحة الخاصّة لا نحو المصلحة العامّة - تجعل القدر الأكبر من طاقاتنا وقوانا وإمكانيّاتنا خصوصاً في جوٍّ من قبيل جوّ الحوزة ، في جوٍّ غير منظّم ، في جوٍّ لا بدّ لكلِّ إنسانٍ أن يبني نفسه فيه بنفسه ، في مثل هذا الجو الذي لا بدّ فيه لكلّ إنسانٍ أن يبني نفسه بنفسه ، إذا عاش الناس دائماً عقليّة المصلحة الخاصّة ولم يكن عندهم أخلاقيّة التضحية بالمصلحة الخاصّة في سبيل المصلحة العامّة . . فسوف يصرف القدر الأكبر من الطاقات والإمكانيّات والقابليّات في
هامش
( 1 ) جاء في نصٍّ معرّب أنّه قال : « الله أكبر ولا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله ، ومحالٌ مقاومة إرادة الله ، فلقد كتب في لوح القدر عليّ أن أكون آخر ملوك هذه المملكة ، فلا رادَّ لقضائه في تعاستي هذه » ، فردّ عليه الفقهاء والوزراء بالتكبير مرجعين الأمر إلى إرادة الله ( أخبار سقوط غرناطة : 399 ، والكتاب نشر بلغته الأم سنة 1831 م ) .