تقول القصّة : إنّ يوسف بن تاشفين حينما نزل البحر مع كلِّ أسطوله وجيشه تحرّك ماء البحر وهبّت عاصفة شديدة جدّاً كادت أن تقضي على الأسطول ، حينئذٍ يوسف بن تاشفين وقف في وسط جيشه ورفع يديه إلى الله سبحانه وتعالى ، قال ما مضمونه : يا ربّ أنت تعلم أنّي لم أترك بلادي ، لم أترك أرضي ، لم أعبر هذا البحر ، لم أقرّر أن أطوي هذه المسافة من قارّة إلى قارّة ( من إفريقية إلى أوروبا ) ، لم أتحمّل خطر الموت على نفسي ، على أهلي ، على ولدي ، على جيشي ، خطر تفتّت مملكتي هناك ، لم أتحمّل كلَّ هذه الأخطار إلّا في سبيل حماية دينك ورسالتك في إسبانيا ، في سبيل الحفاظ على المسلمين وعلى الوجود الإسلامي في أوروبا ، في سبيل ذلك قمت . . اللهمّ فإن كنت تعلم أنّي حَسَنَ النيّة في ذلك ، وإن كنت تعلم أنّ وصولي إلى الشاطئ فيه خيرٌ للإسلام والمسلمين . . اللهمّ فأسكن عنّا هذه العاصفة وأزلها عنّا ! ! « 1 » .
يوسف بن تاشفين لم يكن إماماً ، أنا أمثّل بيوسف بن تاشفين لأنّه شخصٌ من الناس ، لا يمكن أن يقال بأنّه أفضل من أيِّ واحدٍ من عندنا بحسب الموازين الاعتياديّة ، ليس هو الإمام علي ( ع ) ، ليس هو الإمام الحسين ( ع ) ، ليس هو أحد المعصومين ( ع ) ، هو إنسان من المسلمين . لكنْ هذا الإنسان من المسلمين وضع كلَّ قواه في سبيل الله تعالى ، هاجر من بلده في سبيل الله تعالى ، كان يشعر شعوراً تفصيليّاً بالاتّصال بالله تعالى . هذا الشعور التفصيلي بالاتّصال بالله تعالى جعل من حقّه أن يدعو ، وجعل من حقّه أن يتوقّع الاستجابة من الله تعالى .
تقول الرواية التاريخيّة : ما أتمّ الأمير يوسف حديثه ودعاءَه مع الله تعالى إلّا وسكن البحر ، وهدأت العاصفة ، وتغيّرت كلّ الملابسات إلى صالح السفرة ، حتّى وصل يوسف بن تاشفين سالماً إلى الشاطئ ، واستطاع أن يقضي على الغزو المسيحي ويؤخّر من مأساة الإسلام في إسبانيا أربعة قرون .
بقي الإسلام أربع مائة سنة بعد هذا الحادث ( بعد غزو يوسف بن تاشفين للمسيحيّين الذين كانوا مجاورين للأندلس ) ثمّ بعد أربع مائة سنة ، المسلمون هم المسلمون ، كانوا يشهدون أن لا إله إلّا الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، كما كان يشهد المسلمون في عصر يوسف بن تاشفين ، ولكنّهم كانوا نسوا الله تعالى وانقطعوا عنه وانصرفوا إلى لهوهم وفسقهم وتراكمت في حياتهم الذنوب ، لم يكونوا يعيشون لله تعالى . . بعد أربع مائة سنة اضطرَّ ملك المسلمين في غرناطة - البلد الأخير الذي بقي للمسلمين في إسبانيا - اضطرَّ إلى توقيع وثيقة الاستسلام ، إلى توقيع وثيقة التنازل عن الإسلام والوجود الإسلامي ، إلى توقيع وثيقة فناء الإسلام في كلِّ إسبانيا ، اضطرَّ إلى توقيع هذه الوثيقة « 2 » .
هامش
( 1 ) بحثنا في عشرات المصادر التي تتعرّض لعبور ابن تاشفين البحر ، ولم نعثر في أيٍّ منها على التفاصيل التي ذكرها ( رحمه الله ) في القصّة . انظر على سبيل المثال المعجب في تلخيص أخبار أهل المغرب : 131 : 1 ؛ كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى 39 : 1 ؛ نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب : 360 : 4 ؛ الكامل في التاريخ 446 : 8 ؛ بطل الإسلام الملثّم يوسف بن تاشفين : 53 - 78 . وانظر في ( الموسوعة الشعريّة ) : الإحاطة في أخبار غرناطة : 3792 ؛ المطرب من أشعار أهل المغرب : 37 . والملفت للنظر ما جاء في ( نفح الطيب ) من أنّه : « عبر يوسف البحر عبوراً سهلًا »
( 2 ) يقصد توقيع ملك غرناطة أبي عبد الله محمّد الحادي عشر بن علي في 2 / ربيع الأوّل / 897 ه - ( 2 / 5 / 1492 م ) وثيقة الاستسلام للملك فرديناند الخامس ملك أراجون والملكة إيزابيلا ملكة قشتالة وتسليمهما مفاتيح المدينة ، وكانا قد تزوّجا سنة 884 ه - - 1479 م ووحّدا مملكتيهما . وقد اشتملت الوثيقة على سبعة وستّين شرطاً ، وقد خاطبت أمّ الملك أبي عبد الله ولدها بكلمة أصبحت مثلًا إذ قالت له : « فعلت خيراً إذ بكيت كالنساء لأنّك لم تحفظ ملكك حفظ الرجال » . ( انظر القول الأخير في : أخبار سقوط غرناطة : 407 ) .