تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
[ الأرضية النفسية لأساليب العمل ] وهنا أنا لا أريد أن أناقش أساليب العمل التي أدّت إلى هذه المحنة ، ولا أريد أن أتحدّث عن الأساليب التي من طبيعتها أن تغيّر من الموقف ، بل أريد أن أتحدّث قبل ذلك عن الأرضيّة النفسيّة لهذه الأساليب . قبل أن نتحدّث عن العمل ، نتحدّث عن الأرضيّة النفسيّة لأساليب العمل ، فإنّ منطلق المصيبة والمحنة هو تلك الأرضيّة النفسيّة التي عشناها طيلة الزمن الذي تقدّم وسبق هذه المحن . هذه الأرضيّة النفسيّة لم تكن أرضيّة نفسيّة صالحة لكي تنشأ ضمنها أساليب العمل الصالح ، ولكي تؤتي هذه الأساليب ثمارها . هذه الأرضيّة النفسيّة التي عشناها والتي كانت ولا تزال تساهم في خلق المشاكل في طريقنا ، وفي تكوين المحن في وجوهنا ، هذه الأرضيّة النفسيّة أستطيع أن أرجعها بالتحليل إلى عاملين نفسيّين أساسيّين ، وهما - بالرغم من كونهما عاملين - هما مرتبطان كلَّ الارتباط فيما بينهما : أحد العاملين : هو عدم الشعور التفصيلي بالارتباط بالله تعالى . والعامل الآخر : هو أنّ الأخلاقيّة التي كنّا نعيشها ليست أخلاقيّة الإنسان العامل ، بل هي أخلاقيّة إنسان آخر لا يصلح للعمل الحقيقي . وإذا كنّا نريد أن نستفيد من هذه المحنة ، وإذا كنّا جادّين في الحساب ، فلا بدّ أن نرجع إلى هذين العاملين الأساسيّين لكي نستطيع أن نتيح لأنفسنا فرصة التكفير عمّا سبق بالنسبة إلى كلٍّ من هذين العالمين : عامل ( عدم الشعور بالاتّصال بالله بالدرجة الكافية ) وعامل ( أخلاقيّة الإنسان اللاعامل ) . [ 1 - عدم الشعور التفصيلي بالارتباط بالله سبحانه ] أمّا بالنسبة إلى العامل الأوّل ، بالنسبة إلى عدم الشعور التفصيلي بالاتّصال بالله سبحانه وتعالى ، فهذا ما يقع عادةً وعلى مرّ الزمن في حياة الطالب الاعتيادي الذي يهاجر من بلده ويأتي إلى هنا متحمّلًا آلام الغربة وآلام السفر وآلام الوحشة وآلام فراق الأحبّة والأهل والوطن . . . كلّ هذا التحمّل يكون في اللحظة الأولى قائماً على أساس شعورٍ تفصيليٍّ بالله تعالى ، شعورٌ تفصيليٌّ يشدّه إلى الله تعالى ، يشعر بأنّ هذه القوّة هي التي تجذبه وتنتزعه من أهله ووطنه وبلده ومن أحبّته لكي يهاجر إلى الله ويتعلّم على يد ورثة الأنبياء ، ثمّ يواصل خطَّ الأنبياء . ولكن بعد أن يدخل إلى إطار هذه الحوزة ويكون هذا الشعور التفصيلي موجوداً في نفسه ، بعد أن يدخل إلى إطار هذه الحوزة فينخرط في مناهجها ، ويسلك مسالكها ويعيش دروبها . . بعد هذا تتضاءل بالتدريج جذوة شعوره بالاتّصال بالله تعالى ، بينما كان من المفروض أنّ هذه الجذوة تنمو بالتدريج بدلًا عن أن تخمد أو عن أن تتضاءل ، وذلك لأنّه حينما يأتي إلى الحوزة لا يعيش تطبيقاً حيّاً لهذا الاتّصال بالله تعالى ، وإنّما يعيش على أفضل تقدير دروساً معيّنة ومناهج معيّنة هي في حدود كونها مفاهيم وأفكار لا تغذّي هذا الشعور ، فيبقى هناك فراغٌ نفسيٌّ كبيرٌ في قلبه ، في وجدانه ، في ضميره . هذا الفراغ النفسي الكبير لا يمكن أن يُملأ بمطالب من الفقه والأصول ، لأنّ مطالب الفقه والأصول تملأ عقل الإنسان ولكنّها لا تملأ ضميره ، لا تملأ وجدانه ، سوف يمتلئ عقله علماً ، لكنْ من الجائز أنّ ضميره ووجدانه سوف يبقى فارغاً كما كان فارغاً حينما كان ابن القرية ، أو ابن المدرسة ، أو ابن المعمل الذي جاء منه إلى هذه الحوزة . وهذا الفراغ في الضمير والوجدان الذي يعيشه هذا الإنسان ، حتّى إذا أصبح ثريّاً من الناحية العقليّة ، هذا الفراغ سوف يميّع بالتدريج شعوره بالارتباط بالله ، لأنّ هذا الشعور لن يجد ما ينمّيه وما يُغذّيه لا نظريّاً ولا عمليّاً . أمّا نظريّاً فلأنّه لا يأخذ من النظريّات إلّا ما يرتبط باستنباط الأحكام الشرعيّة ، والنظريّات التي يستنبط على أساسها الحكم الشرعي غذاءٌ للعقل لا للوجدان والضمير . وأمّا عمليّاً فلأنه لا يعيش تجربة الاتّصال بالله تعالى ، لا يعيش حياةً عمليّة ، وإنّما يعيش حياة مدرسيّة