تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
[ 3 - مرحلة التمركز والاستقطاب : ] واستمرّت هذه المرحلة ( مرحلة المرجعيّة مع الجهاز ) إلى أن دخلت المرجعيّة ( المرحلة الثالثة ) على يد الشيخ كاشف الغطاء ومعاصريه من العلماء ، وهي مرحلة التمركز والاستقطاب ، لأنّ المرجعيّة في المرحلة الثانية بالرغم من أنّها كانت ذات أجهزة ، لكنّها لم تكن متمركزة بنحو تستقطب العالم الشيعي كلّه . وفي عهد الشيخ كاشف الغطاء وعن طريق علاقات وارتباطات واسعة بين العراق وإيران ، أمكن وضع بذرة للاستقطاب والتمركز ، ونشأت المرجعيّة المركزيّة التي تستقطب أنظار العالم الإسلامي « 1 » . وكان لهذا الإنشاء ولهذا التطوير تضحياته الكبيرة وجهوده التي أيضاً لا مجال الآن للتوسّع في الحديث عنها . وفي هذه المرحلة الثالثة ، حيتما وجدت هذه المرجعيّة [ المركّزة المستقطبة ] ، مرّت على هذه المرجعيّة فترة طويلة من الزمن في عهد الحكم العثماني ما قبل عصر الاستعمار . [ 4 - مرحلة القيادة : ] ثمّ حينما دخل المسلمون عصر الاستعمار وجد نوع من التحوّل والتطوّر في هذا الكيان ، لأنّ هذا الكيان الذي كان قد أصبح كياناً مركزيّاً يستقطب أنظار العالم الشيعي ، بدأ بتسلّم زمام القيادة ، بدأ يدخل الصراع مع الكافر المستعمر ويتبنّى مصالح المسلمين ويدافع عنهم . وهكذا بدأ هذا الكيان مرحلة أخرى هي مرحلة ( القيادة ) زيادة على استقطابه وتمركزه ، وذلك منذ حوالي خمسين أو ستّين سنة ، منذ أحداث دخول النفوذ الاستعماري إلى هذه المنطقة في العراق وإيران ولبنان وغيرها من أنحاء العالم الشيعي . بل الأمر أنّ هذه القيادة كانت تتذبذب بين مدّ وجزر ، بين ظهور وخفاء ، حسب الظروف والملابسات التي تمنى بها خلال عملها . إذاً هذا الكيان هو كلّ هذا التاريخ ، كلُّ هذه الجهود ، كلُّ هذه التضحيات ، هي عبارة عن هذا الكيان الذي بأيدينا ! ! . فهل بالإمكان أن يكون شعورنا تجاه محنة يتعرّض لها هذا الكيان هو الشعور تجاه إنسان يفقد مصلحة شخصيّة محدودة فقط ؟ ! يفقد نعمة الرخاء والدعة فقط ؟ ! يفقد حياة الاستقرار والأمن فقط ؟ ! هل هذا هو الشعور الذي يجب أن يكون لدى وريث محمّد بن أبي عمير ؟ ! لدى وريث الشهيد الأوّل الذي بذل دمه في سبيل هذا الكيان ؟ ! هل يجب أن يكون وريث ذلك الرجل العظيم ، يحسُّ تجاه المحن التي تعصف بذلك الكيان ، إحساس شخص يفقد مالًا أو يفقد استقراراً ؟ ! لا ، بل يجب أن يكون أكثر شعوراً بالمسؤوليّة . ومن أعظم مظاهر هذا الشعور بالمسؤوليّة من ناحية هو الشمول والعموم ، يعني أن يكون هذا الانفعال وهذا الغضب وهذا الشعور بالألم ، أن يكون هذا الألم ألماً يعيشه كلُّ أبناء هذا الكيان لا أن يعيشه خصوص من يواجه النار وجهاً لوجه ، لأنّ هذه النار ليست نار شخص ، وإنّما هي نار هذا الكيان ، فلا بدّ وأن يعيش أبناء الكيان جميعاً شعوراً خاصّاً ، وانفعالًا معيّناً ، وتضامناً معيّناً في هذا الموضوع . يجب أن يشعر أيّ واحد منّا بأنّ الجسم الواحد إذا قطعت يده اليمنى أو قطعت يده اليسرى فليس بإمكان اليد الأخرى أن تقول : أنا في أمان لأنّي أنا لم أقطع ، قطعت اليد الأخرى وأنا لم أقطع ، لأنّ إحدى اليدين إذا قطعت فاليد الأخرى سوف تشلُّ عن العمل في لحظة عاجلة أو آجلة حتماً . إذاً فالمسألة مسألة جسم واحد ومسألة كيان واحد ، ولا بدّ أن يعيش أبناء هذا الكيان الواحد شعوراً واحداً تجاه الموضوع .
هامش
( 1 ) انظر : كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء 24 : 1 - 29 ( مقدّمة التحقيق ) .