استدعي من قبل جهاز ذلك السطان وكلّف بأن يشي بالشيعة لأنّه كان من مشاهير فقهاء الشيعة . قيل له : أنت تعرف أسماء الشيعة ، أذكرهم لنا ، وأنت بخير . امتنع محمّد بن أبي عمير ، وبقي يكرّر بأنّي أعرف من الشيعة محمّد بن أبي عمير ومحمّد بن أبي عمير ، قالوا : وبعد من ؟ . . قال : ومحمّد بن أبي عمير . قالوا : وبعد ؟ . . . قال : ومحمّد بن أبي عمير . فأمر به فضرب حتّى أغمي عليه .
قال عليه رضوان الله : إنّه في حالة هذا الضرب صارت عندي لحظة ضعف ، حاولت أن أنطق ، حاولت أن أذكر أسماء جملة من الأصحاب ، من الإخوان من تلامذة مدرسة الإمام جعفر بن محمّد الصادق ( ع ) ، فتمثّل أمامي شيخي ( حمران ) - وكان حمران ميْتاً وقتئذٍ - تمثّل أمامي في مخيّلتي شيخي وهو يقول لي : يا محمّد إيّاك وأن تنطق بكلمة ولو متّ تحت السياط . يقول : فاستعدت رباطة جأشي وقوّتي وحولي وطولي وصمّمتُ على أن لا أنطق مهما كلّف الأمر « 1 » .
حمل هكذا إلى بيته بعد أن عجز الآخرون عن استنطاقه ، ثمَّ صودرت أملاكه ، صودرت أمواله ، كان بزّازاً تاجراً واسع النطاق في الثراء والمال ، أصبح بين عشيّةٍ وضحاها إنساناً فقيراً لا يملك شيئاً من تلك الأموال يجلس في شرفة بيته يشتغل برواياته وأحاديثه . قصّة نهب داره هي القصّة التي جعلتنا نخسر كثيراً من أسانيد روايات ابن أبي عمير . يقولون : إنّ السبب في أنّ أكثر روايات هذا الرجل العظيم كانت مراسيل « 2 » هو أنّ كتب هذا الرجل العظيم كانت من جملة الأموال التي نهبت وصودرت من بيته من قبل الآخرين ، ولهذا بقي ينقل ما علق بذهنه وكان لا يحفظ الأسانيد في كثيرٍ من الأحيان فكان يرسل ، ولهذا كانت روايات ابن أبي عمير أكثرها مراسيل . يجلس في الشرفة ويتلهّى ويشتغل بالروايات التي عرفها هو . لم يشعر بنوع من الانهيار ، كان لا يزال أقوى ما يكون صموداً وثباتاً واستبسالًا واعتقاداً بأنّ خط الإمام جعفر بن محمّد الصادق ( ع ) هو الخطّ الصالح الذي يجب على الإنسان - ليكون إنساناً صالحاً - أن يواصل الاستمرار فيه والبذل له والعطاء له بقدر ما يمكنه .
جاءه شخص عميلٌ له من عملائه الذين [ كانوا يشترون ] منه الأقمشة حينما كان تاجراً ، وكان عليه دينٌ قد بقي في ذمّته لمحمّد بن أبي عمير ، وكان يتقاعس عن الوفاء ، حينما بلغه أنّ محمّد بن أبي عمير وقع في محنة مصادرة أمواله وأملاكه ، جاء إليه ليقدّم إليه المبلغ من المال - ولا أتذكّر كم كان - قدّم بين يديه المبلغ وقال له : اعذرني يا شيخي إن كنت قد تأخّرت حتّى الآن في تقديم هذا المبلغ لأنّي كنتُ معسراً ،
ولمّا سمعت بأنّك قد صودرت أملاكك ووقعت في ضائقة قرّرت أن أبيع داري ثمّ أقدّم بين يديك حقّك لكي تستيعن به على أمور دنياك . ماذا قال هذا الفقيه الصالح ؟ ماذا قال هذا الإنسان الذي يمثّل نتاج
هامش
( 1 ) الصحيح ( محمّد بن يونس بن عبد الرحمن ) ، فقد وروي أنّه سعي بمحمّد بن أبي عمير إلى السلطان لأنّه يعرف أسامي عامّة الشيعة بالعراق ، فأمره السلطان أن يسمّيهم فامتنع فجرّد وعلّق بين العقارين وضرب مائة سوط . قال الفضل : فسمعت ابن أبي عمير يقول : لمّا ضربت فبلغ الضرب مائة سوط أبلغ الضرب الألم إليّ فكدت أن أسمّي فسمعت نداء محمّد بن يونس بن عبد الرحمن يقول : يا محمّد بن أبي عمير ! اذكر موقفك بين يدي الله تعالى ، فتقوّيت بقوله فصبرت ولم أخبر والحمد لله . قال الفضل : فأضرّ به في هذا الشأن أكثر من مائة ألف درهم ( اختيار معرفة الرجال / رجال الكشّي ، مع تعليقة الميرداماد : 855 ؛ وانظر : فهرست النجاشي المعروف برجال النجاشي ، مؤسسة النشر الإسلامي : 326 - 327 )
( 2 ) الرواية المرسلة هي الرواية التي لم يذكر في سندها تمام رجال السند ، بأن حذف بعضهم أو كلّهم . وقد ألحق بعض علمائنا ما تضمّن لفظاً مبهماً من قبيل ( بعض أصحابنا ) بالمرسل ، ومنعه آخرون ( انظر : مقباس الهداية 338 : 1 - 341 ؛ الرواشح السماويّة : 251 ) . ويُشار إلى أنّ ابن أبي عمير يروي ما يقرب من ( 5500 ) أو ( 6000 ) رواية ، وقع الإرسال في ما يقرب من ( 294 ) رواية منها ، وقد روى عن المغموز فيهم ما يقرب من عشرين مورداً .