مدرسة الإمام جعفر بن محمّد الصادق ( ع ) ؟ ! . قال له : سمعت من أشياخي عن الإمام جعفر ( ع ) أنّه يقول : « لا يُباعُ دارُ سكنٍ في وفاءِ دين » ، خذ هذا المال إليك والله خير الرازقين ! ! . « 1 » .
إذاً فهو - في قمّة المحنة - لم يشأ أن ينحرف قيد أنملة حتّى عن التعاليم والوصايا الأخلاقيّة التي ذكرها الإمام جعفر بن محمّد الصادق ( ع ) ، وإلّا فمعنى « لا يباع دار سكن في وفاء دين » ، يعني أنّه لا يجبر الدائن المدين على أن يبيع دار سكن ، أمّا إذا تبرّع المدين بأن يبيع دار سكنه فيجوز شرعاً للدائن أن يأخذ مال الوفاء ، ولكنّه مكروه . هذه الكراهة ، هذا المفهوم الشرعي للكراهة جعل هذا الرجل الممتحن يقف في هذه اللحظة موقف الإباء والتمنّع ، لأنّه لا يطلب الحياة إلّا لكي يضرب المثل الأعلى للإنسان المسلم في أخلاقه وسلوكه وسيرته .
هذا الكيان هو الكيان الذي أنبثّت فيه آلام محمّد بن أبي عمير ومئات من أمثال محمّد بن أبي عمير .
[ المراحل التي مرّت بها الحوزة العلميّة ]
هذا الكيان ، هذه الحوزة لها تاريخها الطويل الذي مرّ بعدة مراحل :
[ 1 - مرحلة الاتّصال الفردي : ]
مرّ بمرحلةٍ كان فيها هذا الكيان يعبّر عن اتّصالات فرديّة بين علماء مجتهدين وقواعد شعبيّة في بلاد أولئك العلماء المجتهدين ، يُستفتى العالم فيفتي ، وكان الارتباط يقوم بشكل فردي ومباشر بين العلماء وبين العالم المفتي . وهذه المرحلة هي المرحلة التي عاشها أصحاب الأئمّة ( ع ) . واستمرّت هذه المرحلة إلى أيّام العلّامة الحلّي رضوان الله عليه ، كان الوضع العام لهذا الكيان هو وضع علماء مجتهدين يوجد كلٌّ منهم في مكان ويرتبط به شيعة يستفتونه فيفتي . ثمّ بعد هذا دخل مرحلة أخرى .
[ 2 - مرحلة الجهاز المرجعي : ]
المرحلة الثالثة ، ودخلها ، بحسب ما أفهم من سير الأحداث أنّه دخلها على يد الشهيد الأوّل رضوان الله عليه .
هذا الشهيد الأوّل الذي قدّم دمه في سبيل نقل هذا الكيان من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية . على عهد الشهيد الأوّل رضوان الله عليه تطوّر هذا الكيان ، أصبح هذا الكيان عبارة عن أجهزة من الوكلاء وعلماء الأطراف ، يرتبطون بالمرجع ويتّصلون بالقواعد الشعبيّة . يعني هذا الوضع الموجود للمرجعيّة فعلًا ، أنا لا أعرف تطبيقاً أسبق من الناحية التاريخيّة له من تطبيق الشهيد ، شهيدنا الأوّل رضوان الله عليه . قام بهذا التطبيق في لبنان وسوريا وعيّن الوكلاء وفرض جباية الزكاة والخمس على القواعد الشعبيّة من
الشيعة . وبذلك أنشأ كياناً دينيّاً قويّاً للشيعة مترابطاً لأوّل مرّة في تاريخ العلماء . وكان إنشاؤه لهذا الكيان هو من أهمّ الأسباب التي أدّت إلى مقتله في قصّةٍ لا مجال الآن للتوسّع فيها « 2 » .
هامش
( 1 ) ناظرٌ إلى قول أبي عبد الله : « لا تباع الدار ولا الجارية في الدين ، وذلك لأنّه لا بدّ للرجل من ظلٍّ يسكنه وخادمٍ يخدمه » ( الكافي 96 : 5 ) .
أمّا القصّة المذكورة ، فقد روى محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن إبراهيم بن هاشمٍ أنّ محمّد بن أبي عميرٍ كان رجلًا بزّازاً فذهب ماله وافتقر ، وكان له على رجلٍ عشرة آلاف درهمٍ ، فباع داراً له كان يسكنها بعشرة آلاف درهمٍ وحمل المال إلى بابه ، فخرج إليه محمّد بن أبي عميرٍ فقال : « ما هذا ! » ، فقال : « هذا مالك الّذي لك عليّ » ، قال : « ورثته ؟ ! » ، قال : « لا » ، قال : « وهب لك ؟ ! » ، قال : « لا » ، فقال : « هو من ثمن ضيعةٍ بعتها ؟ ! » ، فقال : « لا » ، فقال : « ما هو ؟ ! » ، فقال : « بعت داري الّتي أسكنها لأقضي ديني » ، فقال محمّد بن أبي عميرٍ : « حدّثني ذريحٌ المحاربيّ عن أبي عبد اللّه قال : ( لا يخرج الرّجل من مسقط رأسه بالدين ) ، ارفعها فلا حاجة لي فيها وإنّي لمحتاجٌ في وقتي هذا إلى درهمٍ وما يدخل ملكي منها درهم » ( وسائل الشيعة 341 : 18 - 342 )
( 2 ) انظر : الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة 37 : 1 - 124 ( مقدّمة الشيخ محمّد مهدي الآصفي ) .