حياة الاستقرار والطمأنينة . .
متى كنّا نعيش حياة الاستقرار والطمأنينة منذ توفّي رسول الله ( ع ) ؟ منذ وقعت تلك المصيبة العظيمة ، حينما خلّف القائد الأعظم في مثل هذه الأيّام أمّة بناها بجهده وتضحياته وسهره في آناء الليل وأطراف النهار ، حينما ترك هذه الأمّة وهي بعد بداية الطريق تواجه ألوان العواصف والمحن والمشاكل . . منذ تلك اللحظة لم يعش الإنسان المؤمن حياة استقرار . ألم يصف الأمير ( ع ) الفتنة التي وجدت وولدت عقيب وفاة النبي ( ع ) بأنّها الفتنة التي يشيب فيها الوليد « 1 » ، فهل تكون حياة يشيب فيها الوليد هي حياة الاستقرار والاطمئنان ؟ لكنّ الفرق هو أنّ هناك من الناس من لا يحسُّ بفقدان الاستقرار ، الاستقرار غير موجود ولكنّه لا يحسُّ بفقدان الاستقرار ، ولا يدرك أنّه لا استقرار إلّا حينما تمسّه النار .
وإلّا الواقع لم يتغيّر ولم يتخلّف منذ مئات السنين ، حياة الاستقرار والدعة غير موجودة لشخص يحمل الهموم التي كان يحملها ذلك القلب الكبير ، قلب الإمام علي ( ع ) الذي قال بأنّ الفتنة يشيب فيها الوليد ، الشخص الذي يعيش تلك الهموم لا يجد في الدنيا حياة الاستقرار والدعة ، بل هي حياة العناء والمسؤوليّة ، حياة الكفاح والجهاد ، لا حياة الدعة والاستقرار مهما توفّرت أمامه أسباب الرخاء بحسب الظاهر .
إذاً فالمشكلة ليست أنّا فقدنا حياة الدعة والاستقرار ، نحن كنّا قد فقدنا حياة الدعة والاستقرار منذ عصف القدر بنبيّنا ( ع ) . ولئن كان بعضنا يشعر مؤقّتاً بالدعة والاستقرار ، فهذا لأنّه لم يعش تلك الهموم ، لأنّه لم يكن مع الناس ، لأنّه لم يكن على مستوى المسؤوليّة ، وإلّا كان من المفروض أن لا يعيش حياة الدعة والاستقرار وإمامه يقول بأنّها فتنة يشيب فيها الوليد . وتلك الفتنة التي يشيب فيها الوليد لا يمكن أن توفّر للإنسان حياة الدعة والاستقرار .
إذاً فلا دعة ولا استقرار . . نحن لم نخسر دعةً واستقراراً ، وإنما امتُحِنّا في كيان ، امتُحنّا في هذا الكيان الذي ورثناه منذ مئات السنين ، هذا الكيان الذي بذل في سبيله من جهود سلفنا الصالح الطاهر من أصحاب الأئمّة عليهم الصلاة والسلام ، ومن أجيال الفقهاء بعد ذلك وجعله مشعلًا للإسلام في كلّ أرجاء العالم الإسلامي . . بذل في سبيل ذلك من الدم الطاهر والوقت الطاهر والعمر الطاهر ما امتلأ به تاريخ سلفنا الطاهر ، المشكلة هي مشكلة هذا الكيان .
إذاً فليست المشكلة مشكلة هذا الفرد أو هذا الفرد ، وإنّما هي مشكلة هذا الوجود الكلّي لكلِّ هؤلاء الأفراد . وهذا الكيان كما قلت : ليس كياناً قد وصل إلينا مجّاناً حتّى نستطيع أو حتّى يجوز لنا - بمبرّرات الهزيمة النفسيّة - أن نسلّمه بسهولة ، أن ننسحب عنه باختيار ، أن نضيّعه بأنفسنا . . وإنّما هو كيانٌ وصل إلينا عبر تاريخ مليء بالتضحيات ، بالعمل الصالح والجهاد الصالح . هذا هو الكيان الذي تسرّبت في كلّ أرجائه الآلام التي عاشها محمّد بن أبي عمير في سبيل إنشاء هذا الكيان ومئات من أمثال ابن أبي عمير من أصحاب الأئمّة عليهم الصلاة والسلام الذين عاشوا ألوان المحنة والاضطهاد وألوان البلاء في سبيل ترسيخ بذور هذا الكيان .
[ المحنة التي عاشها محمّد بن أبي عمير ]
أليس محمّد بن أبي عمير على سبيل المثال هو ذاك الشخص الذي استطاع أن يصمد لا أمام خوف
نفسي بل أمام تعذيب خارجي وجّهه عليه أعظم سلاطين العالم في ذلك الوقت « 2 » .
هامش
( 1 ) يقصد ( رحمه الله ) ما قاله الإمام علي في خطبته الشِقْشِقِيّة : « . . أو أصبرَ على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير . . » ( نهج البلاغة : 47 )
( 2 ) يقصد هارون الرشيد .