على هذا المستوى ويشعر بها بهذه الدرجة ، وهذا هو الشعور الشخصي المحدود بالمحنة . وموقفه إزاء هذا
الشعور أن يُهَرِّب أخاه ، أن يُهرّب أباه ، أن يتهرّب من واجبات القانون حتّى لا ينخرط في مأساة من هذا القبيل ، ولا يرى له واجباً وراء ذلك .
وأخرى يتعمّق هذا الشعور أكثر فأكثر ، فيكون شعوره إزاء المحنة ، يكون شعوراً إقليميّاً على أساس أنّ أبناء البلد الواحد يتصارعون ويتنازعون فيما بينهم ، وهذا الشعور الإقليمي ، وهذا الانفعال الإقليمي تجاه المشكلة يؤدّي إلى اتّخاذ موقف أوسع من الموقف الأوّل ، إلى موقف يفكّر فيه بأنّه كيف يعيد الصفاء والسلام إلى أبناء البلد الواحد .
وقد يكون شعوره أعمق من هذا وذاك ، قد يشعر بإزاء المحنة أنّ هذه المحنة هي نتاج عدم تطبيق شريعة الله على هؤلاء المسلمين ، أنّ عدم تطبيق شريعة الله عليهم هو الذي أدّى إلى تعميق التناقض بين الأخ وأخيه حتّى ولدت مشكلة بين هذا وذاك وتصارع الكردي والعربي .
حينئذ ، هذا الشعور سوف يولّد موقفاً يختلف عن الموقف الذي ولّده الشعور السابق الإقليمي أو الشعور الأسبق الشخصي ، سوف يجعله هذا الشعور يحمل همّ الشريعة ويصل إلى السبب الحقيقي لهذا التوتّر .
[ المحنة التي نعيشها ]
كذلك المحنة التي نعيشها « 1 » : تارةً يفكّر هذا الشخص الذي طُورد وشُرّد تارةً يفكّر بأنّ المحنة هي أنّه قد فقد أيّام الدعة والراحة ، أنّه كان يعيش حياة الدعة والراحة ، واليوم يعيش حياة القلق والارتباك ، إمّا هو فقط أو هو مع قطاع معيّن من الحوزة يعيشون حياة القلق والارتباك لأنّهم مطاردون مشرّدون من قبل الوضع الذي يعيشون في داخل إطاره . قد يكون الشعور تجاه هذه المحنة هو شعور شخص يفقد الأمن والاستقرار ويريد أن يفتّش عن الأمن والاستقرار . وهذا هو الشعور الشخصي المحدود الذي لا يمكن أن يدخل في حساب الموقف الحقيقي ، ذلك لأنّ هذا الشعور من طبيعته أن يجعل هذا الإنسان يحسب حساب المحنة في حدود علاقتها معه شخصيّاً ، فإن كان هو في منجىً من هذه المحنة شخصيّاً على أساس أنّه لا يدخل في نطاق ذلك القطاع المطارد فعلًا فسوف لن يتفاعل مع المحنة ، سوف لن يشعر بوجودها .
وذاك الإنسان الآخر الذي دخل في ذاك القطّاع الذي يتفاعل فيه مع المحنة ، ذاك الإنسان الذي يعيش فعلًا مشكلة التشريد والتطريد ، مشكلة الطرد والمراقبة ، هذا الإنسان أيضاً يفكّر في علاج المشكلة في حدود أنّها مشكلة جعلته يفقد أمنه واستقراره ، وحينئذٍ يفكّر أوّل ما يفكّر في أن يغادر الساحة ما دامت هذه الساحة ، ما دام هذا المكان لا يوفّر له حياة الاستقرار والثبات والطمأنينة وما دام بالإمكان أن ينتقل منه إلى مكان آخر أكثر استقراراً وطمأنينة . فلماذا لا يستعجل ؟ لماذا لا يغادر هذا المكان وبذلك تنحلُّ المشكلة ؟
في الواقع : إنّ السلبيّة التي توجد في بعض الأفراد الذين يعيشون في إطار هذه الحوزة تجاه هذه المحنة وروح الهزيمة الموجودة في بعض الأفراد الآخرين الذين يعيشون في إطار هذه الحوزة . . هذا وذاك معاً نشأ من نوعيّة الشعور وردّ الفعل النفسي الذي يعيشونه تجاه المحنة . حينما يُنظر إلى المحنة أنّها محنة حياة استقرار قد فقدت وأنّها محنة التفتيش عن وضع أكثر طمأنينة . . حينئذ سوف لن يشعر بالمحنة ذاك الذي لم يتعرّض فعلًا للاضطراب ، وسوف يفكّر من تعرّض للاضطراب فعلًا أن يفتش عن مكان لا اضطراب فيه . هذا هو المنطق الطبيعي والنتيجة الطبيعيّة لشعورٍ شخصيٍّ مصلحيٍّ وانفعال محدود تجاه المحنة .
وأمّا حينما نعيش شعورنا وغضبنا وألمنا لله لا لأنفسنا ، حينما نشعر بأنّ المحنة ليست هي أنّنا فقدنا
هامش
( 1 ) يقصد محنة تسفير طلبة العلوم الدينيّة .