جميعاً أن يفكّروا في الجانب الذاتي من المحنة أيضاً ، أن يعيشوا المحنة كعمليّة تطهير لأنفسهم وتزكية
لأرواحهم ، وتصميم على التوبة من التقصيرات المتراكمة المتلاحقة التي عاشوها عبر حياتهم العمليّة والعلميّة . هذه التقصيرات التي قد لا يُحسّ بكلّ واحد منها على حدة ، لكنّها حينما تتراكم تتحوّل إلى فتنة تأكل الأخضر واليابس ، تأكل من ساهم ومن لم يساهم ، تأكل من قصّر ومن لم يقصّر ، تأكل الحسين ( ع ) .
أليست تلك التقصيرات المتراكمة التي عاشها المسلمون منذ سقط الإمام علي عليه الصلاة والسلام صريعاً في المحراب في سبيل الدفاع عن المسلمين ، التقصيرات المتراكمة التي عاشتها الكثرة الكاثرة من المسلمين ، ألم تأكل الفتنة التي تمخّضت عن تلك التقصيرات كلّ الناس حتّى الحسين ؟ حتّى الحسين نفسه أكلته الفتنة بالرغم من أنّه كان أنصف الناس وأبعد الناس عن تقصيرٍ في قولٍ أو عمل .
إذاً فدرس هذا الجانب الذاتي ، اختبار نفوسنا ونحن نواجه محنة ، واختبار مشاعرنا تجاه المحنة بعد وقوعها ، واختبار أعمالنا التمهيديّة التي مهّدت لهذه المحنة . . هذا الاختبار عملٌ ضروريٌّ آنيٌّ يجب أن لا ننشغل بالألم أو بالانفعالات العاطفيّة عن حساب مرير من هذا القبيل . ونحن كيف يمكن أن نترقّب فرجاً من الله ، أن نترقّب رحمةً من الله تعالى إذا كنّا لا نتفاعل من النُذُر التي يريد الله تبارك وتعالى أن يميّز فيها الخبيث من الطيّب ، ويريد بها أن يفتح أمامنا أبواب التوبة من جديد وأبواب التطهير من جديد .
أوّل الشروط أن نرجو من الله تعالى رجاءً حقيقيّاً ، أن نرجو منه الرحمة والإمداد والعون على الصبر والثبات ومواصلة الخطّ . . أوّل شروط ذلك أن نتجاوب مع هذه النُذر ونعيش مع الله لنقرأ من جديد صفحات حياتنا وأعمالنا وما قدّمنا وما أخّرنا .
[ مشاعرنا تجاه المحنة ]
ولنبدأ - قبل أن نرجع إلى الوراء - إلى ما قدّمنا ، نبدأ بالأمر الأوّل ، أي بمشاعرنا تجاه المحنة . لا بدّ قبل كلّ شيء أن نوظّف هذه المشاعر ، أن نجعل مشاعرنا تجاه المحنة ، مشاعر صحيحة ، مشاعر إسلاميّة تنبض بالغيرة على الإسلام لا بالغيرة على مصالحنا الخاصّة ، بالغيرة على الوجود الكلّي لهذا الكيان لا بالغيرة على هذا الوجود وهذا الوجود وهذا الوجود ، لأنّنا ما لم ننظّف هذا الشعور ونحن في غمرة الامتحان القاسي المرير ، ما لم نستطع على أقلّ تقدير أن ننتصر في معركة تغيير هذا الشعور وفي معركة إيجاد شعور نظيف تجاه هذا الامتحان ، ما لم نستطع أن نغيّر هذا القدر الضئيل من نفوسنا . . كيف نطمح أن نبني أنفسنا ككلّ ؟ وكيف نطمح أن نبني المسلمين ككلّ ؟ إذاً منطلق الحديث هو هذا الشعور ، هذا الشعور الذي يواجهه الإنسان الممتحن تجاه محنته . كيف يكون هذا الشعور ؟
كثيراً ما توجد محنة ، وتولّد المحنة مشاعر متعدّدة ، وبالرغم من وحدة المحنة تختلف هذه المشاعر في درجتها ومستوياتها تبعاً لاختلاف التصوّر والتفكير ولاختلاف الروحيّة والاتّجاه . واختلاف الشعور يؤدّي لا محالة إلى اختلاف الموقف الذي يتّخذه الممتحن تجاه محنته ، تبعاً لنوعيّة الشعور سوف يتّخذ الموقف المطلوب وفقاً لذلك الشعور .
[ محنة الصراع بين الأكراد والعرب ]
أضرب لكم مثلًا قبل أن نأتي إلى الموضوع الذي نتحدّث [ عنه ] . مثلًا هناك محنة يعيشها العراق منذ سنين وسنين ، محنة صراع مسلّح بين أخوين مسلمين في الشمال ، بين بعض الأكراد وبعض العرب ، هذه المحنة يعيشها العراق .
قد يخطر على بال إنسان ، قد يكون شعور بعض الناس إزاء هذه المحنة أنّ هذه المحنة كلّفته ولده ، كلّفته أخاه ، كلّفته صديقه ، لأنّه أُخذ أخوه أو أُخذ أبوه أو أُخذ صديقه إلى المعركة فقتل . قد يعيش هذه المحنة
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 171
مساهمون: أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
ص١٧١