تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
للإنسان أنّه في الشوط القصير ربح المصلحة ويخون الرسالة . ابن عبّاد كان يتخيّل أنّ من مصلحته الشخصيّة أن يخون الرسالة ، لكن فيما بعد تكشّف له الموقف . اليوم أمام كلّ واحد منّا صار واضحاً أنّ أيّ انحراف عن خطّ الإسلام في سلوكنا ، في وضعنا ، في أخلاقنا ، في عواطفنا ، هذا الانحراف ، هذا التكاسل ، هذه النزعة التحطيميّة التحريميّة لأيّ نوع من العمل الصالح في الحوزة ، هذا الذي يؤدّي بنا إلى ما أدّى ، وسوف يؤدّي إلى الدمار حتماً إذا لم يتغيّر الوضع الداخلي في الحوزة . لا يكفي أن يتغيّر الوضع الخارجي ، يحتاج الوضع الداخلي إلى التغيير ، تحتاج ضمائرنا إلى تطهير ، تحتاج نفوسنا إلى تطهير ، نحتاج أن نشعر بمسؤوليّتنا اليوم . قد يذنب واحد ذنباً في بيت ، الله يغفر له ، لكن إذا أذنب في بيت الله الحرام يصير ذنبه مضاعفاً . هذا من ناحية المكان ، من ناحية الظرف كذلك ، أيضاً يا إخوان ، يا أعزّاء ، قد يذنب إنسانٌ ذنباً ، قد يرتكب خطيئةً ، قد يتكاسل عن عمل ، قد يحطّم عمل العاملين ، لكن في أيّام الرخاء الله يغفر له . لكن إذا صار البناء عليه في أيّام الشدّة ، في أيّام المحنة ، في أيّام المصيبة التي تأكل كلّ هذا الوجود وكلّ هذا الكيان ، إذاً ماذا يكون حاله ؟ ! أنا بودّي حقيقةً أنّ كلّ واحد منّا منفرداً ومجتمعاً يفكّر في هذه المسألة . يعني هذه مسألة حياتيّة بالنسبة إلينا ، مسألة أساسيّة . على أقلّ حينما نموت نموت طاهرين ، بعد هذا لا أن نموت ونحن ملوّثون . نفكّر على الأقلّ حينما نخرج من الدنيا نخرج من الصالحين ، لا أن نخرج من الدنيا ونحن عبيد الدنيا . فلنخرج من الدنيا ونحن فوق الدنيا ، لا أن نخرج من الدنيا ونحن دائماً نعيش الدنيا في همومنا في آلامنا في خطايانا . وإلى متى نعيش في هذه الدنيا حتّى يؤخذ هذه الدنيا ، وماذا بقي من هذه الدنيا حتّى نعيش في هذه الدنيا غير العيش الخسيس‌على حدّ تعبير الإمام الحسين ( ع ) « 1 » . إذاً لا ينبغي أن يكون هذا العيش الخسيس هو شغلنا الشاغل ، هو همّنا في الليل والنهار ، هو هدفنا في كلّ أوجه النشاط ، لا ينبغي أن يكون هذا العيش الخسيس هو هدفنا وإلّا لكنّا أذلّ الناس واقعاً ، كما أنّنا أذلّ الناس ظاهراً . بينما إذا غيّرنا الهدف ، إذا جعلنا الهدف هو الله ، فسوف نكون أعزّ الناس وكنّا أذلّ الناس ظاهراً . بلال كان أعزّ الناس ، ولو كان أذلّ الناس ظاهراً . كان يعذّب ، كانت الصخرة توضع على قلبه ، كان يعذّب وهو يقول : أحدٌ أحد ، كان أعزّ الناس . يعني : الجاهليّة بكلّ جبروتها ما استطاعت أن تدخل إلى قلبه ، ما استطاعت أن تغيّر ضميره ، ما استطاعت أن تشتري منه عقيدته ، ما استطاع أن يفكّر في معارك أخرى غير معركته الرئيسيّة ، معركته مع الجاهليّة ، معركته مع أعداء الله تعالى . إذاً هو أعزّ الناس لأنّهم ما استطاعوا أن يغيّروه ، لقد استطاعوا أن يعذّبوه ، أن يقتلوه ، لكنّ القتل ليس معناه الانكسار ، قتلوه ، عذّبوه ، ولكنّه لم يبع إرادته وعواطفه ، كان أعزّ [ الناس ] بالرغم من أنّه كان عبداً ذليلًا أسيراً مقيّداً . ونحن بإمكاننا أن نكون على أقلّ تقدير كبلال ، إذا لم يكن بإمكاننا أن نكون سادة الأرض ، فعلى الأقلّ بإمكاننا أن نكون كبلال ، أن نشتري العزّة عن هذا الطريق . إذا خسرنا العزّة عن طريق آخر فلنشتري العزّة عن هذا الطريق ، وهذا الطريق مفتوح ، هذا الطريق مفتوح مهما أغلقت السبل الأخرى ،
هامش
( 1 ) يقصد ( رحمه الله ) خطبة الإمام الحسين في أصحابه يوم الثاني من محرّم حين قال لهم : « إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون ، وإنّ الدنيا تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها ولم يبقَ منها إلّا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيشٍ كالمرعى الوبيل . . » ( بحار الأنوار 381 : 44 ) .