يقول : حتّى يذيقهم عملهم ، نفس عملهم يتحوّل بعد هذا إلى المصيبة ، إلى محنة ، هذا العمل الذي كان يمارسه في حالة الرخاء وهو لا يعلم كيف يتطوّر هذا العمل ، كيف يتعقّد هذا العمل ، كيف ينعكس عليه هذا العمل . يتخيّله عملًا بسيطاً على مستوى بسيط ، مشاغبة بسيطة بقضيّة معيّنة ، فتنة بسيطة في قضيّة
معيّنة ، غيبة بسيطة لشخص معيّن ، هتك بسيط لجهة معيّنة ، هذه القضايا تتراكم بالتدريج . ثمّ نفس هذه الأعمال بحدّ ذاتها تتحوّل إلى مصائب ، تتحوّل إلى محن ، تتحوّل إلى بلايا . حينما تتحوّل إلى محن ، وإلى مصائب حينئذٍ يشعر الإنسان بمفعولها ، بأثرها
لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا .
نحن إذا كنّا نؤمن بالقرآن الكريم يجب أن نشعر بأنّ كلّ المحن التي تمرّ على المسلمين هي بعض الذي عمله المسلمون ، ومحن من المسلمين .
الحوزة ، الطلبة جزءٌ من المسلمين ، يعملون كما يعمل المسلمون ، مقصّرون كما يقصّر المسلمون ، يغفلون كما يغفل المسلمون ، فإذا كنّا قد ابتلينا بمحنة وإذا كنّا دائماً وعلى طول الخطّ نواجه المحن والمصائب فلا بدّ لنا من أمرين :
أحدهما : التفكير في درجة الصمود اللازمة في وجه المحنة ومستوى هذا الصمود .
والأمر الثاني : هو أن نلتفت إلى أنفسنا ، نرى ماذا قدّمنا من مساعدات لكي تتكوّن هذه المحنة ، لكي تتكوّن هذه الظروف .
طبعاً قدّمناها من دون قصد ، لكن على أيّ حال قدّمناها . لأنّ القرآن يقول :
لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا
، هذا بعض الذي عملناه ، وليس كلّ الذي عملناه ، لأنّ البعض الآخريذيقنا إيّاه في يوم الحساب .
هذه مقدّمات بسيطة جدّاً تعرض للإنسان في الدنيا حتّى يلتفت أنّه ماذا عمل ، كيف فكّر ، كيف دبّر . ماذا قدّم تجاه دينه ، تجاه عقيدته ، تجاه صموده في الله ، تجاه حوزته .
نحن الآن في حالة لا بدّ أن لا يشغلنا الألم الشديد الذي يقطع نياط قلوبنا ، الذي يقضي على جلّ آمالنا ، الذي يفتّت وجودنا ، هذا الألم يجب أن لا يشغلنا عن التفكير بأنّنا ماذا صنعنا ، وكيف نمنا ، وكيف لم نلتفت إلّا بعد أن فاتنا الوقت .
ماذا كنّا نقول ، ماذا كنّا نزرع في الطريق دائماً من صعوبات ، من عقبات ، كيف كنّا لا نعمل ، وكيف كنّا نزرع الصعاب والعقبات في وجه من يعمل .
كوننا لا نعمل وكوننا نزرع العقبات والصعاب في وجه من يعمل ، هذا هو الذي تحوّل إلى فتنة ، هو الذي يتحوّل دائماً إلى محنة وإلى مصيبة ، قد يكون عملًا بسيطاً جدّاً وصغيراً جدّاً ، كون واحد يستغيب واحداً ، ينتقد واحداً ، يريد أن يهتك واحداً ، يريد أن يفضح شيئاً من الأشياء ، هذا عمل بحدّ ذاته بسيط ، لكنّ هذا العمل كجزء من عشرين عمل من هذا القبيل يؤدّي إلى انهيار كياننا .
هناك عوامل موضوعيّة خارجيّة للمحن دائماً ، هذه العوامل لا بدّ أن تفكّر فيها الزعامة الدينيّة القائمة .
وهناك عوامل داخليّة يجب أن نفكّر [ فيها ] نحن الطلبة ، عوامل داخليّة في داخل نفوسنا ، في داخل ضمائرنا ، في داخل قلوبنا ، في داخل نيّاتنا ، هذا هو الجهاد الأكبر .
صحيح يجب أن نفكّر أنّ هؤلاء الذين بلونا بهذه المحنة كيف يمكن أن نقف في وجههم ، لكن يجب أن نقف في وجوه أنفسنا ، نحن إذا كنّا لا نستطيع أن نقف في وجوه أعدائنا على الأقلّ نستطيع أن نقف في وجوه أنفسنا ، أن نقف أمام أطماعنا ، نقف أمام شهواتنا ، نقف أمام رغباتنا غير المحدودة ، غير المؤطّرة بإطار الرسالة وإطار الإسلام .
يجب أن نفكّر من الآن وصاعداً ، يعنى كلّ ذي عينين شاهد الأحداث يجب أن يعرف أنّ القصّة ليست فقط قصّة الرسالة ، يعني أن يخون الرسالة ، يخون مصالحه الشخصيّة أيضاً على الخطّ الطويل ، قد يتراءى