يدورون في فلك زعامة الجامع الهاشمي في أرجاء المنطقة لم يكونوا يحملون عنّا أيّ مفهوم ، إذ لم يكن من الضروري للإسلام تكوين هذا المفهوم بعد أن كان تكوينه عن السيّد الأخ يغني في النتيجة عن ذلك .
وقد شعرت أنّ الفراغ الكبير الذي خلّفه المصاب في نطاق العلاقات الضخمة الواسعة في المنطقة سوف يملأ بالتدريج إذا ترك ونفسه بالبدائل الجاهزة في الكاظميّة المتمثّلة في بقيّة المعمّمين ، وهؤلاء حينما [ يتقاسمون ] التركة و [ يملأون ] الفراغ سوف يملأونه بأذواقهم وأفكارهم وطريقة تفكيرهم في الإسلام وتقييمهم للأشخاص والأحداث ، وبذلك نخسر كلّ شيء ، ولهذا كان من الضروري في نظري لتفادي المشكلة أو جزء كبير منها من أمرين :
الأوّل : السعي لتكوين مفهوم عنّا ينسجم مع مستوى العمل الإسلامي المطلوب ، ومع متطلّبات مستقبل المرجعيّة .
والثاني : إبقاء صورة المركز في جامع الهاشمي لينعكس عليه ذلك المفهوم ويتفاعل معه ، لأنّ إبقاء صورة المركز شرط في إيجاد ذلك المفهوم وشرط في كيفيّة استثماره وتفاعل الأمّة معه .
والأمر الأوّل بحاجة إلى تخطيط ، وأمّا الأمر الثاني فكانت هناك صور :
الأُولى : أن يقدّم شخص من مستوى الفقيد الحبيب اجتهاداً وعلماً وشهرةً ومقاماً في النجف . وهذه الصورة لا تحقّق الغرض الديني ، إذ - بقطع النظر عن إمكانيّة تحصيل شخص من هذا القبيل أو عدمها - [ ف - ] إنّا لا نملك شخصاً على هذا المستوى يعيش نفس الخطّ كما كان السيّد الأخ يعيشه ، وإذا ترك الاختيار للأجهزة الحاكمة في النجف فقد تختار فرداً على هذا المستوى من أعداء الخط ، وبذلك نخسر كلّ الجهود العظيمة التي بذلت سنين متطاولة .
والصورة الثانية : أن يستقدم شخصٌ من الشباب على مستوى السيّد نوري الإشكوري والشيخ عبد الهادي فضلي مثلًا ، ونحن نملك على مستوى الشباب من يكون منسجماً على الخط . ولكنّ شابّاً من هذا القبيل لا يملك العناوين الضخمة والرصيد لا يمكن أن يستقطب ولا أن يرث شيئاً ذا قيمة من التركة الكبيرة ، بل سوف يؤخذ على أمره ويسبقه إلى كلّ شيء البدائل الجاهزة في البلد ، وبذلك يتفتّت الكيان ، ويجب أن يبدأ هذا الشاب عمله منذ البداية فاقداً كلّ الأسلحة التي كان الكيان يملكها من اجتهاد وشهرة ومقام راسخ لدى المرجعيّة ، وارتباط تاريخي وعائلي بالكاظميّة إلى آخر ما هناك .
الصورة الثالثة : أن يقدّم شخصٌ يملك الرصيد العاطفي بوصفه امتداداً للفقيد بحيث يستطيع بهذا الاعتبار أن يُبقى صورة المركز ، ونحتفظ بسبب ذلك بالأرضيّة التي نستطيع من خلال الاحتفاظ بها تعبئة مختلف القوى لجعلها تمارس دورها المطلوب في خدمة الإسلام والحوزة ، فالرصيد العاطفي الذي شهد أبناء الخمسين وأبناء الستين أنّهم لم يشهدوا له نظيراً كان يفرض حلًّا من هذا القبيل ، وقد تجسّد هذا الحلّ في عناصر ثلاثة :
العنصر الأوّل : إشغال المركز وامتصاص الرصيد العاطفي الهائل بتقديم ابن الفقيد ، وقد قدّم السيّد حسين دون السيّد محمّد الذي اقترحتموه أو السيّد حسين الآخر لعدّة اعتبارات ، منها : أنّ الظروف الموضوعيّة أوضحت أنّ الشخص الوحيد الذي تسلّطت كلّ الأضواء العاطفيّة عليه هو ابن الفقيد ، والاندفاع الشديد من مختلف الطبقات التي كانت تدور في فلك سيّدنا الأخ دلّل على ذلك بوضوح ، هذا إضافةً إلى أمور أخرى لا يمكن أن أستوعبها في هذه الرسالة . . .
العنصر الثاني : استدعاء السيّد نوري الإشكوري من النجف بعنوان ملأ الفراغ العلمي في جامع الهاشمي ، فالأرضيّة التي احتُفظ بها بسبب العنصر الأوّل تهيّئ الجوّ المناسب للسيّد نوري ، ونحن نخطّط الآن بصورة جادّة لتهيئة ظروف لحوزة حقيقيّة في الكاظميّة تكون قاعدتها جامع الهاشمي بمسؤوليّة السيّد نوري
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 151
مساهمون: أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
ص١٥١