تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
وعادت الأمّة إلى جهادها مرّة أخرى ، وقاومت تلك الحكومات وتشريعاتها المخالفة للشريعة المقدّسة ، وحدثت الهوّة السحيقة التي فصلت الحكومة عن الرعيّة وتركتها بمعزل عنها ، ممّا أوجب لها الاضطراب الدائم والقلق المستمر . وكانت الحكومة يومذاك متناسيةً مركز العراق القيادي للأمّة الإسلاميّة والمرجعيّة العليا في الجامعة الكبرى في النجف الأشرف ، والتي يستمدّ منها العالم الإسلامي أحكامه ومعارفه وإرشاده وتوجيهه بواسطة علمائه الأعلام المتخرّجين من هذه الجامعة الكبرى . وتعاقبت الحكومات متتاليةً وكلّها تتّسم بطابعٍ تقليديٍّ واحد ، وهو الاستبداد الطاغي والإرهاب المريع والحكم بغير ما أنزل الله سبحانه وتعالى
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
« 1 »
.
ولم يترك العلماء الأعلام ومن ورائهم الأمّة مقاومتهم الصامدة للحكومات في مختلف العهود وفي شتّى المناسبات ممّا سجّله تأريخ الجهاد الإسلامي بأحرف من نور . ثمّ جاء يوم الرابع عشر من تمّوز ، وظنّت الأمّة فيه تحقيقاً لآمالها العذاب على أولئك
الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ
*
فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ
*
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ
*
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
« 2 » . ولكن سرعان ما بدت الحقيقة مريرةً مؤلمةً كالحة ، يوم استبدّ بالحكم طاغيةٌ تلاعب بشريعة الله سبحانه ، وأجهز على آخر ما تبقّى للإسلام من أحكام في حياة المسلمين بتشريع قانون الأحوال الشخصيّة الذي يخالف القرآن الكريم والسنّة النبويّة المطهّرة ، وفسح المجال لشذّاذ الأرض وزمر الضلال « 3 » ، فمزّقت كلمة الأمّة وشتّت جمعها وبعثرت طاقاتها . ومرّت الأيّام عصيبةً مروعة ، تحمل في طيّاتها المجازر الوحشيّة القاسية والإرهاب المدمّر الدامي ، حتّى إذا برح الخفاء وانقطع الرجاء ، دوّت في مسمع الدهر فتوى الإمام الحكيم ( الشيوعيّة كفرٌ وإلحاد ) فانهزم الجمع وولّوا الدبر ، وتفرّى الليل عن صبحه وأسفر الحقُّ عن وجهه ونطق زعيم الدين وخرست شقائق الشياطين وطاح وسيط النفاق وانحلّت عقدة الكفر والشقاق . فاستفاقت الأمّة من سباتها لتستطلع إلى تباشير الخلاص ، تبدو في الأفق القريب مشيرةً إلى نهاية الظلم ومصرع الطغيان . ودقّت ساعة الصفر ، وكان اليوم الرابع عشر من شهر رمضان ، فاستقبلته الأمّة متسائلةً عن المستقبل الغامض ، حتّى مرّت أيّام معدودة ، وإذا بالشيطان يطلع رأسه من مغرسه هاتفاً بأتباعه وأنصاره ، فألفاهم لدعوته مستجيبين وللغرّة ملاحظين ، وليشهد العراق هدر الكرامات واستباحة المحرّمات والتنكّر لمبادئ الأمّة الإسلاميّة ومقدّساتها . كلّ ذلك على أيدي الفئة الضالّة المنحرفة « 4 » . . وتلجأ الأمّة إلى علمائها الذين أعلنوا بدورهم سخطهم وتنكّرهم للوضع القائم ، وطالبوا بصراحة وشجاعة بالضرب على أيدي الطغاة الصغار . والآن وبعد اليوم الثامن عشر من تشرين ، وقد شرعت الحكومة في وضع دستور البلاد ، فالأمّة جاءت تطالبكم أن تحقّقوا آمالها التي بذلت في سبيلها الكثير من جهودها وجهادها ، وأن تعيدوا لها مجدها وعزّتها باستئناف الحياة الإسلاميّة الكريمة في ظلّ راية القرآن الكريم وأحكام الشريعة المقدّسة وإشاعة العدل في ربوعها وإعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه ، وذلك بتحقيق المطالب التالية :
هامش
( 1 ) المائدة : 47 ( 2 ) الفجر : 11 - 14 ، وربّما كان في العبارة سقطٌ ( 3 ) المراد هو الحزب الشيوعي ( 4 ) المراد هو حزب البعث .