« العلماء حماة الأمّة الإسلاميّة
سيّدي الحكيم . . علماءنا الأفاضل . . إخواني المؤمنين .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
في غمرة هذا الجو الروحي ، وتحت سماء الإسلام وفدت إليكم زهور الحياة لتكون بين يدي سماحتكم ، لتفيضوا عليها بتوجيهاتكم السديدة لتعطي طيّب الثمار .
إنّ هذا الشباب المؤمن في جامعة بغداد ليرحّب بكم يا زعيم الأمّة الإسلاميّة وبمقدمكم بشوق العقيدة ، وبأحلام المستقبل الزاهر القريب إن شاء الله ، لأنّه يرى فيكم الأب الحقيقي لكلّ الأمّة الإسلاميّة وملاذها الذي تركن إليه في نوائبها . . . وقد بلغت أبوّتكم درجة من الحنان والعطف أنّكم تفتّشون عن كلّ صغيرة وكبيرة في هذه الأمّة ، فتدرسونها وتجيبون عنها برحابة صدر وبأفق تفكير واسع بما أمدّكم الله تعالى من منهل أهل البيت . لكلّ هذا صاروا من الموالين لكم ، وإنّ هذا الولاء الصادق قد ثبت للعدو والصديق ، وما هذا المجئ إلّا مظهر لمدلول الموالاة .
وها هم يا سيّدي قد تشرّفوا بين يدي سماحتكم ليبثّوا إليكم فرحتهم وهمومهم معاً : فرحتهم بمجيئكم الميمون ، وهموهم للآلام التي تنتابهم من الجو الخليع والثقافة الملوّثة في الجامعة . ولكنّهم صامدون كلّ الصمود لأنّهم مؤمنون بأنّ هذه الرسالة لا بدّ أن تحتلّ مكانها الذي أراده الله لتسير الحياة ، كلّ الحياة وفي جميع مجالاتها السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والفكريّة .
وهذه مسؤوليّة عظيمة لا ينهض بأعبائها إلّا دعاة مؤمنون يتعقّبون خطى علمائهم الأعلام ، فيصبحوا جيشاً متلاحماً واحداً تزحف به قيادته ليهدم ما بناه المستعمرون ومن ضلع في فلك أفكارهم ، ومن ثمّ ليقام الصرح الإسلامي الكبير . . .
وإنّها لمسؤوليّة كبيرة حقّاً لا بدّ من تحمّلها وإلّا فقدنا مقوّمات إنسانيّتنا وكرامتنا وعزّتنا ، وكيف يمكن أن نتصوّر بأنّ لنا كرامة وعزّة إذا انتزعت منّا عقيدتنا وديست مفاهيمها . إنّ النتيجة لمؤلمة إذا تمادينا بهذه المسؤوليّة ، مسؤوليّة الدين ، مصير الإسلام ، مصيرنا نحن المسلمين . . .
إنّ هذه الأمنية التي تراود الأفكار لبناء مجتمع إسلامي تنبض شرايينه وأوردته بالروح الإسلاميّة لم تكن جديدة ولا من نسج الخيال ، وإنّما هي حقيقة أقرّها التأريخ حينما طبّق النظام الإسلامي وعمّ أرجاء المعمورة بشكل رائع رافعة النجاح ، ويدعو للدهشة ممّا احتوى عليه من حيويّة وحلول لمشاكل الحياة . . فنعمت فيه الإنسانيّة وعمّ فيها الرخاء لأوّل مرّة في التاريخ بعد جاهلية دامت عدّة قرون ، فانتشرت العلوم والمعارف . . . كلّ العلوم الفلكيّة والطبيّة والفنيّة والفكريّة أيّام الإسلام الذهبيّة ، حينما سار المسلمون بهدى إسلامهم واتّبعوا توجيهات قادتهم الأمناء ، فاستطاعوا أن يكونوا أمّة متفرّدة في حضارتها لم يسبق لها مثيل ، وكانت أروبا آنذاك تتخبّط خبط عشواء في ظلماتها . .
أفيصبح الآن إسلامنا جامداً لا يتحرّك الحياة وتقوم أوروبا لتحلّ لنا مشاكلنا بقوانينها الوضعيّة . .
كلا ! لن يكون ذلك ، إنّ الإسلام حيٌّ وسيبقى حيّاً ولن تستطيع أن تنال منه يد الكافر ، فإنّ له رجالًا مبدئيّين - علماؤنا المراجع - تسير وراءهم الجموع المسلمة بأمانة وإخلاص وطاعة للتضحية دونه حتّى تراق آخر قطرة من دماء المسلمين ، فليست هذه المبادئ الهدّامة بأولى من مبدئنا الشامل لجميع مشاكل الحياة .
إنّ الكيد الذي دبّره المستعمرون وسار عليه أعداء الإسلام لإبعاد المسلمين عن القاعدة الرئيسيّة استهدف تغيير محتوى الأمّة الفكري والروحي .
وبهذه الوسيلة وحدها يجهزون على الإسلام ويشيدون أسسهم الماديّة ، وما كان لهم أن يخرجوا
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 449
مساهمون: أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
ص٤٤٩