تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
في النّفس ؟ فلا يعيّن أحدهما . هذا مجمل الحديث عمّا سمّوه بالعقل الأول ومنهجنا في طريقة تفسير المعرفة البشريّة فيه . الثانية : فيما يتعلق بالعقل الثاني : والمنطق الصوري بعد افتراضه للعقل الأوّل بالنحو المتقدّم ، ذكر أنّ كلّ ما يستنبط من العقل الأوّل من المعارف بطريقة الاستدلال المنطقي الصحيح - الراجع بالأخير جميعاً إلى الشكل الأوّل الضروري والبديهي الإنتاج - فهو مضمون الحقّانيّة ، ويسمّى بالعقل الثاني . والقياس يحتوي على حدٍّ أصغر وأوسط وأكبر . وفي القياس الأوّل لا تكون بين المحمول وموضوعه واسطةٌ ، لأنّها قضيّة أوليّة ، وإنّما المستنبط ثبوت الثالث للأوّل ، وعلى هذا الأساس يكون مشتملًا على قائمتين : قائمة للمحمولات الثابتة بالضرورة لموضوعاتها ، وقائمة أخرى للمحمولات الثابتة بالضرورة على تلك المحمولات . وفي كلٍّ منهما القضيّة أوليّة ضروريّة وليست مستنبطة لعدم حدٍّ أوسط . نعم ثبوت المحمول الثاني للموضوع الأوّل يكون نظريّاً لأنّه مستنبطٌ بالحدّ الأوسط الذي هو موضوعٌ في القائمة الثانية ومحمولٌ في الأولى . ومن هنا لا يخلو الكلام المعروف من صحّة ببعض المعاني من أنّ المعرفة إذا كانت حسب هذه الطريقة ، فليس هناك نموٌّ وزيادةٌ حقيقيّةٌ في المعرفة ، وإنّما هو تحليلٌ لما هو مجملٌ وتطبيقٌ لما هو عام وكلّي . وأيّاً ما كان ، فالمنطق الصوري بعد أن افترض حقّانيّة القضايا الستّ التي تشكّل مواد الأقيسة والمعارف النظريّة ، وكان استنتاج المعارف النظريّة في العقل الثاني من تلك المواد حسب المقياس البديهي الإنتاج ، من هنا حكم بحقّانيّة مدركات العقل الثاني أيضاً كحقّانيّة مدركات العقل الأوّل . وهذا الكلام ينحلّ إلى جزءين : 1 - إنّ كلّ معرفة أوليّة تكون مضمونة الحقّانيّة . 2 - إنّ المعارف النظريّة في العقل الثاني إنّما تستنتج من المعارف الأوليّة في العقل الأوّل بطريقة التوالد الموضوعي القائم على أساس التضمّن أو التلازم المنطقي المضمون الحقّانيّة أيضاً . وكلا هذين الجزءين محلّ نظر : أمّا الأوّل ، فلأنّ بعض المعارف الأوّليّة قد لا تكون مضمونة الحقّانيّة بالرغم من كونها أوليّة ، بل قد تكون مظنونة أو مشكوكة أو خاطئة . ومن ذلك ينشأ ينبوعٌ للأخطاء في العلوم النظريّة ، فإنّ الخطأ فيها لا ينشأ من خطأ الاستدلال عادةً ، بل من الخطأ في أوليّات الاستدلال حيث تطرح فكرة بتوهّم صحّتها وهي خاطئة فيبنى عليها . والحاصل : كون الفكرة أوليّة لا تحتاج إلى الاستدلال واستنباط شيءٌ ، وكونها مضمونة الحقّانيّة شيءٌ آخر ، ولا تلازم بين الأمرين . ويشهد على ذلك وقوع الخطأ أو الشكّ في المعارف الوجدانيّة المحسوسة - المحسوس بالذات - التي قلنا إنّها أوليّة ، لعدم توسيط شيء بينها وبين إدراكها ، بل ينصبّ الإدراك عليها مباشرةً وأوّلًا وبالذات ، ومع ذلك قد يشكّك فيها أو يخطأ ، كمن يشكّ في أنّه هل يسمع الصوت أم لا إذا ما ابتعد عن مصدره تدريجاً . وهذا دليلٌ على إمكانيّة وقوع الخطأ والاشتباه أو الشكّ في الوجدانيّات الأوليّات ، فكيف بقضايا أوليّة غير وجدانيّة ! وقد كان قديماً يبرهن على استحالة التسلسل ببرهان التطبيق أي تطبيق العلل على المعلولات ، فكان يقال إنّه إن تساويا لزم تساوي الجزء مع الكلّ لأنّ سلسلة المعلولات هي سلسلة العلل بإضافة واحد ، والكلّ لا بدّ وأن يكون أكبر من الجزء . وإن لم يتساويا كان معناه تناهي أحدهما على الأقلّ . وقد كان هذا برهانهم على استحالة التسلسل فترةً طويلة من الزمن اعتماداً على بديهيّة أنّ الكلّ لا يكون أكبر من الجزء ، حتّى جاءت الرياضيّات الحديثة فأنكرت بداهة هذه القضيّة في الكميّات
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 445 | أحمد عبد الله أبو زيد العاملي