تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
عصمة الذهن عن الخطأ ، وعلم المنطق لا يعطي إلّا الكبريات . وهذا الكلام أفضل ممّا ذكره المحدّث الإسترآبادي بناءً على التصوّر المدرسي للمعرفة البشريّة وطريقة التوالد فيها . إلّا أنّ هذا التصوّر أساساً غير صحيح على ما شرحناه مفصّلًا في كتاب ( الأسس المنطقيّة للاستقراء ) ، فإنّ هذا البحث كان منشأً لانتقالنا إلى نظريّة جديدة للمعرفة البشريّة استطاعت أن تملأ فراغاً كبيراً في نظريّة المعرفة البشريّة لم [ يستطع ] الفكر الفلسفي أن يملأه خلال [ ألفي ] سنة « 1 » . وفيما يلي نذكر مجمل تلك النتائج التي انتهينا إليها في نقطتين : الأولى : فيما يتعلّق بالعقل الأوّل ومدركاته : وهي المدركات التي حدّدها المنطق الصوري في قضايا ستّ اعتبرها مواد البرهان في كلّ معرفة بشريّة ، وهي الأوليّات والفطريّات والتجربيّات والمتواترات والحدسيّات والحسيّات « 2 » . وقد ادّعى المنطق الصوري أنّ هذه القضايا كلّها بديهيّة ، ونحن نسلّم معهم في اثنين منها هما : الأوليّات - كاستحالة اجتماع النقيضين - والفطريّات وهي التي قياساتها معها ، ولم نقل برجوعها إلى الأوليّات على ما هو التحقيق « 3 » . فهاتان قضيّتان قبليّتان ، وأمّا غيرهما - أي القضايا الأربع الباقية - فليست المعرفة البشريّة فيها قبليّة ، بل بعديّة ، أي تثبت بحساب الاحتمالات وبالطريقة الاستقرائيّة التي يسير فيها الفكر من الخاصّ إلى العام حسب قوانين وأسس شرحناها مفصّلًا في ذلك الكتاب بعد إبطال ما حاوله المنطق الصوري من تطبيق قياس خفيٍّ فيها بمناقشات عديدة مشروحة في محلّها « 4 » . وقد أثبتنا هنالك أنّه حتّى المحسوسات التي هي أبده القضايا الأربع الباقية ، تخضع للأسس المنطقيّة للدليل الاستقرائي « 5 » ، وتوضيح ذلك : إنّ القضايا الحسيّة على قسمين « 6 » : 1 - أن يكون واقع المحسوس فيها أمراً وجدانيّاً : كالإحساس بالجوع والألم . وهذا لا إشكال في أوليّته ، ولا يقوم على أساس حساب الاحتمالات والطريقة الاستقرائية ، لأنّ الإدراك في هذا النوع يتّصل بالمُدرَك بصورة مباشرة ، حيث يكون المُدرَك بنفسه ثابتاً في النّفس ، لا أنّه أمرٌ موضوعي خارجي له انعكاسٌ على
هامش
( 1 ) جاء في تقرير الشيخ حسن عبد الساتر للمطلب نفسه : « وقد كانت هذه المسألة هي التي فتحت علينا أبواب التفكير وكانت المفتاح لتأليف كتاب الأسس المنطقية للاستقراء » ( بحوث في علم الأصول 336 : 8 ) ( 2 ) مراده ( المحسوسات ) ، وهي تعبيرٌ آخر في المنطق الأرسطي عن ( المشاهدات ) ، وإلا فإنّ ( الحسيّات ) أخصّ من ( المحسوسات ) ، لأنّ ( المحسوسات ) أو ( المشاهدات ) تارةً تعتمد على الحسّ الظاهر فتسمّى ( حسيّات ) ، وأخرى على الحسّ الباطن فتسمّى ( وجدانيّات ) . وفي تقريرات الشيخ عبد الساتر ورد التعبير الصحيح ب ( المحسوسات ) ، وهو ما جرى عليه في ( الأسس المنطقيّة للاستقراء : 414 ) ، فلعلّ الاشتباه من المقرّر . وبشكل عام ، فقد صنّف المنطق الأرسطي مبادئ الأقيسة إلى أصناف ثمانية : اليقينيّات ، المظنونات ، المشهورات ، الوهميّات ، المسلّمات ، المقبولات ، المشبّهات والمخيّلات . وقد رأى المنطق الأرسطي أنّ اليقينيّات تارةً تكون بدهيّة ، وأخرى نظريّة كسبيّة تنتهي لا محالة إلى البدهيّات ، ومن هنا اعتبر أنّ البدهيّات هي أصول اليقينيّات ، وهي على ستّة أنواع بحكم الاستقراء : أوّليّات ، مشاهدات ، تجربيّات ، متواترات ، حدسيّات وفطريّات . انظر : المنطق ، للشيخ المظفّر : 282 ؛ الأسس المنطقيّة للاستقراء ، ط . ق : 414 ( 3 ) انظر : الأسس المنطقيّة للاستقراء ، ط . ق : 414 ، 471 - 476 ( 4 ) انظر : الأسس المنطقيّة للاستقراء ، ط . ق : 420 - 438 ( 5 ) انظر : الأسس المنطقيّة للاستقراء ، ط . ق : 452 ( 6 ) انظر : الأسس المنطقيّة للاستقراء ، ط . ق : 414 .