تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
النّفس ليراد الكشف عن مدى مطابقة ذلك الانعكاس مع واقعه . 2 - الإحساس بالواقع الموضوعي خارج عالم النّفس : كإحساسك بالسرير الذي تنام عليه ، وصديقك الذي تجلس عنده ، وحرمك [ التي ] تسكن إليها . وهذا هو الذي لا يتعلّق إحساسنا به مباشرةً ، فكيف يمكن إثبات واقعيّته من مجرّد انطباعٍ حاصلٍ في النفس أو الذهن ، وكيف نثبت مطابقة ذلك الانطباق للخارج ؟ وهذه المسألة من ألغاز الفلسفة . والاتجاه المتعارف عند فلاسفتنا في حلّها أنّ المحسوسات قضايا أوّليّة ، وإن كانت المسألة غير معنونة بهذا الشكل ، وإنّما عنونت كذلك عند فلاسفة الغرب . وقد ظهر لدى بعض المحدثين « 1 » عندنا أنّ معرفتنا بالحسيّات لا يمكن أن تكون أوليّة لوقوع الخطأ فيها ، مع أنّه لا خطأ في الأوّليّات . ولكنّه عاد وزعم أنّ معرفتنا الحسيّة بالواقع الخارجي إجمالًا أوّليّة ، وإن كانت معرفتنا بالتفاصيل ليست كذلك . فكان هذا [ الاتّجاه ] يفصّل في المعرفة الحسيّة بين الإيمان بأصل الواقع الموضوعي في الجملة ، وبين الإيمان بتفاصيل المعرفة الحسيّة . ونحن في كتاب ( فلسفتنا ) حاولنا إرجاع المعرفة الحسيّة إلى معارف مستنبطة بقانون العليّة « 2 » ، لأنّ الصورة الحسيّة حادثةٌ لا بدّ لها من علّة ، وقانون العليّة قضيّة أوليّة أو مستنبطة من قضيّة أوليّة . وفي قبال هذه الاتّجاهات الثلاثة [ يقف ] المثاليّون الذين أنكروا الواقع [ الموضوعي ] رأساً . وكلّ هذه الاتجاهات الأربعة التي تذبذب الفكر الفلسفي بينها غير صحيحة ، وإنّما الصحيح - بناءً على ما اكتشفناه من الأسس المنطقيّة للاستقراء - أنّ معرفتنا بالواقع الموضوعي جملةً وتفصيلًا في المدركات الحسيّة قائمة على أساس حساب الاحتمال الذي يشتغل بالفطرة لدى الإنسان وبعقل رزقه اللَّه له سمّيناه بالعقل الثالث قبال العقلين الأوّل والثاني « 3 » . وقد أوضحنا ذلك مشروحاً في كتاب ( الأسس المنطقيّة للاستقراء ) وبيّنا هنالك في ضمن ما بيّناه أنّنا حينما نقارن بين إحساساتنا في عالم الرؤية مع إحساساتنا في عالم اليقظة لا نشك بأنّ الأولى لا واقع موضوعي لها ، بخلاف الثانية - إذا استثنينا شيخ الإشراق الذي كان قائلًا بعالم الأمثال في الأحلام - مع أنّه لا فرق بين القسمين من ناحية وجدانيّة الإحساس عند النّفس ، وهذا دليل عدم بداهة المعرفة في الحسيّات وأنّ الإيمان بموضوعيّة الثانية قائمٌ على أساس حسابات الاحتمال المبتنية على قرائن وخصوصيّات مكتنفة بالثانية ، مفقودة في الأولى التي تكون إحساساتٍ زائلةً متقلّبةً بمجرّد كفّ الذهن عنها وغير متشابهة ، إلى غير ذلك من خصائص ونكات تقوم على أساسها حساب الاحتمالات شرحناها في ذلك الكتاب . إذن فليست المحسوسات قضايا أوليّة ، كما أنّها لا يمكن أن تكون مستنتجة بقانون العليّة ، لأنّ هذا القانون غاية ما يقتضيه وجود علّة لحصول الصورة في النّفس ، وأمّا هل هي خارجيّة أو حركة جوهريّة
هامش
( 1 ) السيّد الطباطبائي في ( أصول فلسفه وروش رئاليسم ) . وفي تقريرات الشيخ حسن عبد الساتر ( 342 : 8 ) ورد التعبير عنه ب ( بعض الفلاسفة المسلمين المتأخّرين ) ( 2 ) انظر فلسفتنا ، ط . التعارف . ق : 304 . ومذهب السيّد الصدر هنا قريبٌ ممّا ذكره عن السيّد الطباطبائي حيث قال : « إنّ التصديق بوجود واقع موضوعي للعالم تصديقٌ ضروريٌّ أولي ، فهو لأجل ذلك لا يحتاج إلى دليل ، ولكنّ هذا التصديق الضروري إنّما يعني وجود واقع خارجيٍّ للعالم على سبيل الإجمال . وأمّا الواقع الموضوعي لكلّ إحساس ، فهو ليس معلوماً علماً ضروريّاً ، وإذن فنحتاج إلى دليل لإثبات موضوعيّة كلّ إحساس بصورة خاصّة ، وهذا الدليل هو مبدأ العلّيّة وقوانينها » ( فلسفتنا : 304 ؛ انظر : أصول الفلسفة والمذهب الواقعي / المقالة السابعة / الوجود وواقع الأشياء ) ( 3 ) انظر : الأسس المنطقيّة للاستقراء ، ط . ق : 463 ، تحت عنوان ( معرفتنا بالواقع الموضوعي للعالم استقرائيّة ) . والظاهر أنّ تسمية ( العقل الثالث ) لم ترد في كتاب ( الأسس المنطقيّة للاستقراء ) .
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 444 | أحمد عبد الله أبو زيد العاملي