السنوات الأخيرة من عمره الشريف تعني الرفاه والدعة ، أو الأمن والأمان ، يشهد لذلك كل من عاصره ، أو عاش بقربه ، وخاصّة طلابه والمقرّبين منه .
ولازلت أتذكر تلك الأجواء الرهيبة التي تخيّم على المرتبطين بالشهيد الصدر والمقرّبين منه ، ومطاردة قوّات الإرهاب ( الأمن ) لهم في المساجد والمدارس والأزقّة والأماكن العامّة والخاصّة ، ولازلت أتذكّر ذلك العالم الجليل الذي التقى بي صدفة في زقاق قريب من مسجد الجواهري في النجف الأشرف عام ( 1975 م ) تقريباً فأخذني جانباً بعد أن التفت يميناً وشمالًا ليطمئن إلى عدم وجود رقيب للسلطة ، فقال لي : إنّك تلعب بالنار ، هل تعلم إنّ حياتك في خطر ، إنّك مراقب من قِبل الأمن ، قلّل من ذهابك إلى منز السيد الصدر .
وهذا الرجل كان مخلصاً في نصحه لي ، فأنا أعرفه حقّ المعرفة ، إلا أنّه لم يكن يدرك من الأمور إلا أبعادها المادّية فقط ، فلست أجهل أخلاقيّة السلطة ونقمتها وغضبها ، وكنت أعلم أنّ العاقبة الماديّة لهذا الطريق لا تصبّ في مصلحتي ، فمن المحتمل أن اعتقل واعدم في أيّ لحظة ، ومع ذلك كنت أشعر أنّ المسؤولية الشرعيّة تُحتم عليَّ أن أواصل المسيرة مهما كانت النتيجة ، ومهما كان الثمن ، ولأنّي كنت أرى الصدر يجسّد قيم علي عليه السلام وإخلاصه ، وفنائه في الله ، وزهده وتقشّفه وتفانيه في الإسلام فكنت أقول لنفسي : إنّ التراجع خيانة ، وخاصّة في هذه الظروف القاسية والعصيبة .
كان هذا التفكير يُطَمئِن قلبي ويُريح مشاعري وأحسّ بالاطمئنان أكثر وأكثر حينما أرى السيد الشهيد ( قدس سره ) يصارع تلك المحن والمصائب صراع الأنبياء لها ، فكان لا يخشى ولا يخاف ، حتى توّج صراعه هذا بالعاقبة الحسنة فاختار الشهادة راضياً ( رضوان الله عليه ) .
أقول : إنّ هذه الظروف تجعل من غير المنطقي - بحسب الموازين المادّيّة -
شهيد الأمة وشاهدها — صفحة 163
مساهمون: الشيخ محمد رضا النعماني
ص١٦٣