وكتب له رسالة أخرى ملأها بالكثير من العبارات الأبوية والعاطفية ، وأسعده ما علمه من الرسالة من تنفسه بعد احتباس عاشه في العراق . وقد لا يعرف البعض ممن لم يعاصر أجواء النجف في السبعينات ، وما اكتظت به من أنواع الإرهاب والاضطهاد الذي عانى منه السيد الشهيد ومعظم طلابه ، ولست مبالغاً إن قلت : إنّ النجف كانت سجناً كبيراً له ولطلابه يُمارس فيها التعذيب الروحي والنفسي كلّ صباح ومساء ، كانت ملاحقات قوات الأمن تملأ الأفق ظلاماً وتجعل الحياة كابوساً لا يطاق ، في ظلّ هذه الأجواء حينما يتنفس الانسان هواء الحرية في كنف الطبيعة الخضراء يشعر بنوع من الارتياح ، وهذا الارتياح والانطلاق والسعادة وإن لم يعشها السيد الشهيد نفسه وإنّما عاشها بعض طلابه في خارج العراق فإنّ ذلك يجعله في غاية السرور والسعادة . يقول ( رضوان الله عليه ) في مقطع من رسالته وكانت بتاريخ 15 شعبان 1396 ه - [ / 1976 م ] ما يلي :
( ( بسم الله الرحمن الرحيم
ولدي العزيزي وعضدي المؤمل أبا محمد علي لا عدمته ولا حرمته .
سلام عليك زنة شوقي إليك وغربتي ببعدك وبُعد سائر أولادي الأحباء .
وبعد : فقد تسلّمت رسالت العزيزة بالأمس وهي لا تزال منذ الأمس إلى اليوم في جيبي أقرؤها المرّة تلو المرّة ، أقرأ فيها سطور البنوّة الحانية ، والتلمذة الوفيّة ، والصحبة التي تطفح نبلًا وحبّاً ، وإني أسأل المولى سبحانه وتعالى أن يتقبّل هذا العواطف والمشاعر بأفضل ما يتقبل من عباده المخلصين ، وأن يجمع شملي بكم بعد طول فراق ، يسعد هذه الأبوة المتصدّعة بلقاء أبنائها الأكرمين .
سرّني سفركم إلى شاهرود وعيشكم تلك الأجواء الطلبة الرائعة ، وأسعدني أن يتنفس أولادي الصعداء بعد طول احتباس . . . ) ) « 1 »
هامش
( 1 ) راجع الوثيقة رقم ( 17 ) .