السلامة من الاحتراق ، وأمّا الدائم فلأنّ أنواعاً كثيرة لا تستحفظ على الدوام إلّا بوجود مثل النار على أن تكون محرقة ، وفي الأقلّ ما يصدر عن النيران الآفات التي تصدر عنها ، وكذلك في سائر تلك الأسباب المشابهة لذلك ، فما كان يحسن أن تترك المنافع الأكثريّة والدائمة لأغراض شرّية أقليّة » « 1 » .
الفخر الرازي في مقام ردّ نظريّة انباذ قلس « 2 » في تكوّن عالم الطبيعة بالاتفاق ، ذكر أنّنا لا ننكر أن يكون للاتّفاق مدخليّة في الأمور الطبيعيّة ، لكنّا ننكر - بشدّة - الدائمي والأكثري ، وهذا ما ذكره بقوله : « والحقّ أنّا لا ننكر أن يكون للاتّفاق مدخل في تكون الأمور الطبيعيّة بالقياس إلى أفرادها . فإنّه ليس حصول هذه المدرة عند هذا الجزء من الأرض ، ولا حصول هذه الحبّة من البرّ في هذه البقعة من الأرض ، ولا حصول هذه النطفة في هذا الرحم أمراً دائماً ولا أكثريّاً ، بل نسامح في أنّها وما يجري مجراها اتّفاقيّات ولكنّا ندّعى أنّ للقوى الفعّالة الطبيعيّة غايات معيّنة ، والمراد بالغاية - على ما ذكرنا - المعلولات التي يكون تأدّي القوى إليها دائماً أو أكثريّاً » « 3 » .
أمّا صدر المتألّهين فقد ذكر أنّه على أساس النظام الأحسن في عالم الخلق ، يستحيل وقوع القسر الدائمي والأكثري ، وهذه من القواعد المعتبرة ، ثمّ أضاف أنّ هذه القاعدة مورد استفادة كثيرة في الفكر الفلسفي ، وهي مورد استناد كثير من الموارد .
وهذا ما ذكره بقوله : « اعلم أنّ الأصول الحكميّة دالّة على أنّ القسر لا يدوم على طبيعة وأنّ لكلّ موجودٍ من الموجودات الطبيعيّة غاية ينتهي إليها وقتاً وهي خيره وكماله ، وأنّ الواجب - جلّ ذكره - أوجد الأشياء على وجه
هامش
( 1 ) إلهيات الشفاء : ص 420 .
( 2 ) سيأتي تفصيلها في الفصل اللاحق .
( 3 ) المباحث المشرقيّة : ج 1 ص 532 .