البرهان على امتناع الحركة القسريّة الدائميّة والأكثريّة
الحركة القسريّة لا تدوم ، ولابدّ أن تنتهي ، خلافاً للحركة الطبيعيّة ، التي يمكن أن تدوم ، وفي المقام يمكن تقديم برهانين :
البرهان الأوّل
إنّ النظام الأحسن من عناياته تعالى ، ومقتضى العناية الإلهيّة أن يصل كلّ موجود من الموجودات إلى الغاية التي خُلق من أجلها . فإذا وجد القسر الدائمي أو الأكثري يلزم عدم وصول موجودات عالم الخلق إلى الغاية التي خُلقوا من أجلها ، وهو خلاف العناية الأزليّة للواجب تعالى ، وكلّ شيء خلاف العناية الأزليّة للواجب تعالى لا يمكن أن يتحقّق ، كما هو واضح .
وبهذه المقدّمات ينتج أنّ القسر لا يكون دائميّاً أو أكثريّاً .
وهذا ما يشير إليه ابن سينا عند حديثه عن وجود الشرور ، فيذكر أنّ وجود الشرور في عالم الخلق هو نتيجة التزاحم في عالم المادّة ، وأنّها ( الشرور ) تحصل نتيجة قسر العناصر المادّية بعضها لبعض ، وهي ليست دائمية ولا أكثريّة . فإذا كانت هذه الشرور إلى جانب خيرات كثيرة ، فليس من حكمة الباري تعالى أن يترك الخيرات الكثيرة الدائمة والأكثريّة لأجل شرور قليلة في أمور شخصيّة ليست دائمة . وهذا ما ذكره بقوله : « فإنّ المادّة قد علم من أمرها أنّها تعجز عن أمور ، وتقصر عنها الكمالات في أمور ، لكنّها يتمّ لها ما لا نسبة له كثيراً إلى ما يقصر عنها ، فإذا كان كذلك فليس من الحكمة الإلهيّة أن تترك الخيرات الفائقة الدائمة والأكثريّة ، لأجل شرور في أمور شخصيّة غير دائمة » « 1 » .
وفي موضع آخر قال : « لكنّ الأمر الأكثري هو حصول الخير المقصود في الطبيعة ، والأمر الدائم أيضاً . أمّا الأكثري فإنّ أكثر أشخاص الأنواع في كنف
هامش
( 1 ) إلهيات الشفاء : ص 421 .