سلب الشعور والإرادة عن الفاعل بالطبع وإثبات الميل والإرادة الحقيقيّة ( المتضمّنة لمعنى الشعور ) له إنّما هو فرض متناقض .
وأمّا إذا فسّرنا « الميل الطبيعي » ب - « جهة الحركة » تلك الجهة التي يقتضيها طبع الموجود المتحرّك ، واعتبرنا هذا التعبير من باب التشبيه والاستعارة ، ففي هذه الصورة لا يتمّ إثبات حقيقة باسم العلّة الغائيّة ، بل غاية ما يمكن استنتاجه عندئذٍ هو أنّ كلّ حركة تكون بمقتضى طبع المتحرّك ، فإنّ جهتها تتعيّن أيضاً بمقتضى طبعه .
الوجه الثاني : إنّ بعض الأفلاطونيين المحدثين وأتباع مدرسة الإسكندريّة وأصحاب الذوق العرفاني ذهبوا إلى أن لكلّ موجود لوناً من الشعور والإرادة وإن كان بصورة ضعيفة وباهتة ، وعن هذا الطريق يجيبون على بعض الإشكالات الواردة على نظريّة أرسطو .
وذكر الشيخ مصباح اليزدي أنّه بناء على هذه النظريّة يصبح كلّ فاعل في العالم فاعلًا إراديّاً ، ولابدّ حينئذٍ من حذف الفاعل بالطبع والفاعل بالقسر من أقسام الفاعل ، لأنّ الجمع بين قبول الفاعل بالطبع وإثبات الشعور والإرادة لكلّ فاعل ( كما هو لازم مجموع كلامهم ) يستلزم الجمع بين النقيضين . وكذا لا ينسجم إثبات الشعور للموجودات الطبيعيّة مع ضرورة كون العالم مجرّداً ( كما سوف نبيّنه في محلّه ) ، وعلى أيّ حال فإنّ أظهر إشكال يرد على هذا القول هو أنّ مثل هذا الموضوع لا يمكن إثباته بالبرهان « 1 » .
الوجه الثالث : إن كلّ فاعل طبيعيّ فهو فاعل مسخّر ، وتوجد فوق فاعليّته فاعليّة المبادئ العالية ، وفي النهاية توجد فاعليّة الله تعالى . وبناء على هذا تصبح جميع الحوادث ذات هدف وعلّة غائيّة ، إلّا أنّه ليس في أعماق الطبيعة ، بل في
هامش
( 1 ) المنهج الجديد لتعليم الفلسفة : ج 2 ، ص 128 .