وهو الطبيعة ، ولكلّ منهما غاية . فالحرارة غايتها تحليل الرطوبات فتسوق المادّة إليه وتفنيها على النظام ذلك للحرارة بالذات ، والطبيعة التي في البدن غايتها حفظ البدن ما أمكن بإمداد ، بعد إمداد ولكن كلّ مددٍ تالٍ يكون الاستمداد منه أقلّ من المدد الأوّل ، كما سيأتي في علم النفس . فيكون نقصان الإمداد سبباً لنظام الذبول بالعرض ، والتحليل سبباً بالذات للذبول ، وفعل كلّ واحد منهما متوجّه إلى غاية . ثمّ إنّ الموت وإن لم يكن غاية بالقياس إلى بدن جزئيّ فهو غاية بالقياس إلى نظام واجب ؛ لما أعدّ للنفس من الحياة السرمديّة . وكذا ضعف البدن وذبوله لما يتبعهما من رياضات النفس وكسر قواها البدنيّة التي بسببها تستعدّ للآخرة على ما يعرف في علم النفس » « 1 » .
الدليل الثالث
لو كان هناك رابطة ضروريّة بين الفاعل والغاية المترتّبة على الفعل فلابدّ أن تكون الغاية واحدة دائماً ، والحال أنّنا نجد الأمر ليس كذلك ، حيث نجد أنّ الفعل واحد ، لكن الغايات المترتّبة عليه متنوّعة ، وهذا خير شاهد على عدم وجود رابطة ضروريّة بين الفاعل وبين الغاية المترتّبة على فعله ، من قبيل حرارة الشمس مثلًا ، فهي فعل واحد لكن لها غايات متعدّدة فهي - الحرارة - تحلّ الشمع وتعقد الملح وتبيّض الثوب وتحقّق الرطب ، وعليه فلا توجد رابطة ضروريّة بين الفعل وبين الغاية المترتّبة عليه .
ونوقش : إنّ الطبيعة الواحدة ليس لها إلّا أثر واحد ومعلول غير متعدّد ، وليس لها إلّا غاية واحدة ، وأمّا اختلاف الآثار فيها وتعدّدها فهو يرجع إلى اختلاف قابليّة الأجسام لذلك ، والشاهد على ذلك هو أنّنا لو حفظنا القوابل ، وجعلنا الشرائط واحدة ، نجد أنّها تفعل فعلًا واحداً لا يتغيّر ، لكن إذا
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة : ج 2 ، ص 257 .