وأنواعاً من الشرور والبؤس كما هو واضح ، لأنّ عالم المادّة عالم التزاحم والتعارض ، فوصول بعض من هذه الموجودات المادّية إلى كمالها يستلزم تضييق الطريق على استكمال بعض آخر فيفسد ، فالنبات مثلًا يقطعه الغنم ليتغذّى به ، والغنم يذبحه الإنسان ، والإنسان يقتله إنسان آخر ليأخذ ماله وهكذا ، وهذا النظام ثابت لا يتغيّر .
وبهذا يتّضح أنّ عالم الطبيعة عالم الفساد والشرور في الموجودات المادّية .
إن قلت : إنّ الفساد في عالم الطبيعة والمادّة غير مقصود ؟
قلنا : فليكن نظام الخيرات غير مقصود للطبيعة أيضاً ، ولا داعي يدعو الطبيعة إلى ترتّب هذه الأمور عليها ، وهذا معناه عدم وجود الرابطة الضروريّة بين الفاعل والغاية المترتّبة على الفعل ؛ لأنّها غير مقصودة للفاعل .
ونوقش : إنّ ما كان من هذه الشرور هو من قبيل عدم بلوغ الفواعل الطبيعة إلى غاياتها لانقطاع حركاتها ، وليس ذلك من فاعليّة الفاعل ، فالبذرة لا تصير سنبلة لمانعٍ كالدودة وغيرها .
وعلى هذا فإن كان مقصودكم من الفساد والموت هو عدم بلوغ الفواعل الطبيعيّة لغاياتها لوجود المانع ، فقد تقدّم أنّه ليس بمحال ؛ لأنّ عالم المادّة هو عالم التزاحم والتمانع والتضادّ ، فبعض الموجودات المادّية تصل إلى غاياتها التي وجدت لأجلها ، وبعضها قد لا تصل لمانع ، لكنّ هذا شيء ، وعدم وجود غاية لكلّ فعل شيء آخر ، والمحال هو الثاني دون الأوّل .
وإن كان مرادكم من أنواع الشرور ، هي الشرور التي تلازم الخيرات دائماً ، فمن الواضح أنّ هذه الشرور لا تمنع تحقّق الخيرات وإن كانت هذه الشرور ملازمة للخيرات ؛ لأنّ الخيرات هي المقصودة بالذات ، أمّا الشرور الملازمة لها فهي مقصودة بالعرض ، وهي - أي الشرور - لا تمنع وجود الخيرات .
فإنّ الأفعى تجذب السموم في الهواء ، فيصفو الهواء بذلك ويصير قابلًا
شرح نهاية الحكمة ( العلة والمعلول ) تقريرا لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 311
مساهمون: الشيخ علي حمود العبادي
ص٣١١