لتنفّس الإنسان ، وممّا لم ينكشف خيراته من هذه الموجودات نعلم يقيناً أنّ لها خيرات بالإجمال ، وهي المقصودة بالذات ، أمّا ما يحصل منهما من شرّ ، فهو مقصود بالعرض لا بالذات ، وهذا ما سيأتي تفصيله في المرحلة الثانية عشرة في بحث القضاء « 1 » من تقسيم الموجودات على أقسام خمسة وهي :
« ما هو خير محض ، وما خيره أكثر من شرّه ، وما يتساوى خيره وشرّه ، وما شرّه أكثر من خيره ، وما هو شرّ محض ، ولا يوجد شيء من الثلاثة الأخيرة ؛ لاستلزامه الترجيح من غير مرجّح أو ترجيح المرجوح على الراجح ، ومن الواجب بالنظر إلى الحكمة الإلهيّة المنبعثة عن القدرة والعلم الواجبين والجود الذي لا يخالطه بخل : أن يفيض ما هو الأصلح في النظام الأتمّ ، وأن يوجد ما هو خير محض ، وما خيره أكثر من شرّه ؛ لأنّ في ترك الأوّل شرّاً محضاً ، وفي ترك الثاني شرّاً كثيراً . فما يوجد من الشرّ نادر قليل بالنسبة إلى ما يوجد من الخير وإنّما وجد الشرّ القليل بتبع الخير الكثير » « 2 » .
قال صدر المتألّهين : « وفي الشبهة الثانية : أنّ الفساد في هذه الكائنات تارةً لعدم كمالاتها وتارةً لحصول موانع وإرادات خارجة عن مجرى الطبيعة ، أمّا الأعدام فليس من شرط كون الطبيعة متوجّهة إلى غاية أن تبلغ إليها . فالموت والفساد والذبول كلّ ذلك لقصور الطبيعة عن البلوغ إلى الغاية المقصودة . وهاهنا سرّ « 3 » ليس هذا المشهد موضع بيانه ، وأمّا نظام الذبول فهو أيضاً متأدٍّ إلى غاية ، وذلك لأنّ له سببين أحدهما بالذات وهو الحرارة ، والآخر بالعرض
هامش
( 1 ) نهاية الحكمة ، المرحلة الثانية عشرة ، الفصل الثامن عشر .
( 2 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 13 ، ص 188 .
( 3 ) ذكر الحكيم السبزواري في تعليقته عل الأسفار أنّ مراده بالسرّ هو « أنّ في نظام الكلّ كلّا منتظماً وأنّ الكلّ غايات بالنسبة إلى الأسباب التي في البدايات » الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة : ج 2 ، ص 258 ، تعليقة رقم ( 1 ) .