الثاني : نفي العلّة الغائيّة ، أي : عدم وجود رابطة تكوينيّة بين الفعل الصادر من الفاعل والغاية المترتّبة عليه ، فالفعل قد تصدر منه الغاية ( أ ) وقد تصدر منه الغاية ( ب ) ، وهذا هو المراد بالاتّفاق في مقام البحث ، أي : ما يعبّر عنه بالصدفة ، لكن حيث إنّ للصدفة معانٍ ستّة لذا من اللازم بيان هذه المعاني ، وتحديد المعنى المراد في المقام .
معنى الصدفة
أشرنا في أبحاث سابقة إلى أنّ للصدفة معاني متعدّدة منها :
1 . أن يكون المقصود أنّ الحادثة المفروضة ليس لها علّة فاعليّة .
ومن البديهيّ أنّ الصدفة بهذا المعنى مستحيلة ، ولكن ذلك لا علاقة له بالمسألة التي هي موضوع البحث .
2 . أن يكون المقصود أنّ فعلًا قد قُصد من فاعل على خلاف ما يتوقّع منه ، كما يقال : « إنّ الشخص الفلاني المتّقي قد ارتكب صدفةً ذنباً عظيماً » . ومثل هذه الصدفة ليس أمراً مستحيلًا ، والصدفة بهذا المعنى أيضاً لا علاقة لها بموضوع البحث .
3 . أن يكون المقصود أنّ الفاعل قد قام بعمل من أجل هدف خاصّ ولكنّه قد انتهى إلى نتيجة لم يكن يقصد إليها ، مثل أن يحفر شخص الأرض للوصول إلى الماء الجوفي ولكنّه صدفةً يجد كنزاً . ومثل هذه الصدفة ليست مستحيلة ، ولا يلزم منها أن يتحقّق الفعل الإرادي من دون علّة غائيّة ، لأنّ العلّة الغائيّة هي نفس الأمل في الوصول إلى الماء وقد كان موجوداً في نفس الفاعل ، وأمّا تحقّق ذلك الأمل في الخارج فليس له علّية بالنسبة للفعل ، وإنّما هو معلول يترتّب عليه في ظروف خاصّة .
4 . أن يكون المقصود هو أنّ ظاهرةً لم يتعلّق بها قصد أحد على الإطلاق .