الفصلُ الثالثُ عشر : في نفي الاتّفاق وهو انتفاءُ الرابطة بين الفاعل والغاية
رُبَّما يُتَوهَّمُ أنّ مِنَ الغاياتِ المترتّبةِ علَى الأفعالِ ما هو غيرُ مقصودٍ لفاعلها ، فليس كلُّ فاعلٍ له في فعلِه غاية . ومثَّلوا له بمَن يحفُرُ بئراً ليصلَ إلى الماء فيَعثَرَ على كنز ، فالعثورُ على الكنزِ غايةٌ مترتّبةٌ على الفعل غيرُ مرتبطةٍ بالحافر ولا مقصودةٌ له ، وبمَنْ يدخلُ بيتاً ليستظلَّ فيه فينهدمُ عليه فيموت ، وليس الموتُ غايةً مقصودةً للداخل . ويسمّى النوعُ الأوّلُ مِن الاتّفاق « بختاً سعيداً » والنوعُ الثاني « بختاً شقيّاً » . والحقُّ أن لا اتّفاقَ في الوجود .
والبرهانُ عليه : أنّ الأمورَ الممكنةَ في وقوعها على أربعةِ أقسام : دائميُّ الوقوعِ ، وأكثريُّ الوقوع ، ومتساوي الوقوع واللاوقوع ، وأقلّيُّ الوقوع . أمّا الدائميُّ الوقوعِ والأكثريُّ الوقوع ، فلكلّ منهما علّةٌ عندَ العقلِ بالضرورة ، والفرقُ بينهما أنّ الأكثريَّ الوقوعِ يعارضُه في بعضِ الأحيانِ معارضٌ يمنعُه من الوقوع ، بخلاف الدائميِّ الوقوعِ حيث لا معارضَ له ، وإذ كان تخلّفُ الأكثريِّ في بعض الأحيانِ عن الوقوعِ مستنداً إلى معارضٍ مفروضٍ فهو دائميُّ الوقوع بشرطِ عدمِ المعارضِ بالضرورة ، مثالُه الوليدُ الإنسانيُّ يولَدُ في الأغلب ذا أصابعَ خمسٍ ويتخلّفُ في بعض الأحيانِ فيولَدُ وله إصبعٌ زائدةٌ لوجودِ معارضٍ يعارضُ القوّةَ المصوّرةَ فيما تقتضيهِ مِن الفعل ، فالقوّةُ المصوِّرةُ بشرط
شرح نهاية الحكمة ( العلة والمعلول ) تقريرا لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 293
مساهمون: الشيخ علي حمود العبادي
ص٢٩٣