الوجود : مرتبة من الوجود قبل إيجاد الفعل ، ومرتبة من الوجود بعد إيجاد الفعل ، فالفاعل طالب لتلك المرتبة العالية ، ولكن هذا الفعل الذي ينجّزه يكون بمنزلة المعدّ الذي يخرجه من مرتبة إلى مرتبة أعلى ، من القوّة إلى الفعل ، ومن النقص إلى الكمال ، أو من مرتبة كاملة إلى أكمل ، إذن غاية الفاعل هي المرتبة العالية ، أمّا الفعل فهو غاية بالعرض ؛ لأنّ الفعل معدّ للفاعل للوصول للمرتبة الأكمل ، فيكون الفعل مراداً ومطلوباً بالعرض ، وعليه فلا يكون الفاعل مستكملًا بالسافل .
فتحصل ممّا تقدّم : أنّ المطلوب بالذات للفاعل ، عبارة عن نفس ذاته الكاملة التامّة ؛ إذ كلّ فاعل مريد يحبّ أن تكون ذاته واجدة لكلّ الكمالات التي يمكن أن تتحقّق له ، لكن أحد شروط تماميّة الذات هو الفاعليّة ؛ لأنّها كمال لها ، فلو فقدت هذا الكمال لكانت ناقصة ، فمطلوبيّة الذات التامّة تستلزم مطلوبيّة فاعليّة الذات ، ومطلوبيّة فاعليّة الذات تستلزم مطلوبيّة فعلها الذي هو لازم لفاعليّتها ومن شؤون ذاته ؛ فإذن مطلوبيّة الذات التامّة يستتبع مطلوبيّة الفعل . وإذا كان كذلك ، فلا يتوجّه الاعتراض المذكور ؛ لأنّ العالي لم يُرِد السافل حقيقة ، بل يريد ذاته التامّة الكاملة أوّلًا وبالذات ، أمّا فعل الذات والغاية المترتّبة عليه فمراد بالعرض .
وأمّا فيما إذا كان الفاعل مجرّداً عن المادّة فعلًا وذاتاً كالواجب تعالى ، كانت الغاية ذاته ، فإنّ غايته الذاتيّة ومحبوبه الحقيقي ليست إلّا ذاته ؛ لأنّ ذاته كمالٌ محض ، والكمال المحض محبوبٌ بذاته ، لكنّ محبوبيّة ذاته ، تستلزم محبوبيّة فاعليّته التي هي عين ذاته ، ومحبوبيّة فاعليّته تستلزم محبوبيّة فعله الذي هو لازم لفاعليّته التامّة ، ففعله محبوب وغاية له بالعرض لا بالذات .
ثمّ إنّ ذاته تعالى لم تستكمل لغايته الذاتيّة والعرضيّة ؛ لأنّ الاستكمال فرع النقص ، ولا نقص في ذاته تعالى ، بل ذاته محض الكمال .
شرح نهاية الحكمة ( العلة والمعلول ) تقريرا لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 209
مساهمون: الشيخ علي حمود العبادي
ص٢٠٩