وهذا البرهان يجري في العلل والمعلولات وفي غيرها من ذوات الترتيب والأوضاع .
وبيانه : إنّ بين المعلول الأخير - أو الجزء الأخير لجريان هذا البرهان في غير العلل - وبين كلّ واحدة من العلل البعيدة الواقعة في السلسلة ، يوجد مقدار متناهٍ ، لأنّ هذا المقدار محصور بين حاصرين ، وهذا يستلزم تناهي نفس السلسلة ؛ لأنّ السلسلة لا تزيد على المتناهي إلّا بواحد ، بحكم الحدس ؛ إذ العقل يحدس بأنّه إذا كانت كلّ قطعة من السلسلة متناهية ، فلابدّ أن يكون المجموع متناهياً أيضاً .
قال صدر المتألّهين : « إنّ ما بين معلول الأخير أو ما يشبهه وكلّ من الأمور الواقعة في السلسلة متناهٍ ؛ ضرورة كونه محصوراً بين حاصرين ، وهذا يستلزم تناهى السلسلة ؛ لأنّها حينئذٍ لا تزيد على المتناهي إلّا بواحد بحكم الحدس « 1 » وأنّه إذا كان ما بين مبدأ المسافة وكلّ جزء من الأجزاء الواقعة فيها لا تزيد على فرسخ ، فالمسافة لا تزيد على فرسخ إلّا بجزء هو المنتهى إن جعلنا المبدأ مدرّجاً على ما هو المفهوم من قولنا سنيّ ما بين خمسين إلى ستّين وإلّا فجزئين ، فيصلح الدليل المنظر وإصابة المطلوب ، وإن لم يصلح للمناظرة وإلزام الخصم ؛ لأنّه قد لا يذعن المقدّمة الحدسيّة ، بل إنّما يمنعها مستنداً بأنّه إنّما يلزم ذلك لو كان مراتب ما بين . . . متناهياً كما في المسافة ، وأمّا على تقدير لا تناهيها
هامش
( 1 ) ذكر المحقّق اللاهيجي في الشوارق في تعليقته على هذه العبارة : « أنّها تعني أنّ هذا الدليل يصحّ للنظر وإصابة المطلوب وإن لم يصلح للمناظرة وإلزام الخصم ؛ لأنّه قد لا يذعن المقدّمة الحسيّة . وبعبارة أخرى : إنّما احتاج البرهان إلى الحدس ؛ لعدم إمكان اعتبار العقل في الجانب الآخر واحداً معيّناً كما اعتبر في جانب المعلول ، بل يلاحظه مجملًا ، فربّما توقّف في ذلك الحكم الأذهان التي لا حدس لها » . انظر شوارق الإلهام : ج 1 ، ص 207 .