نعم ، في حالة واحدة لا يستحيل فيها التسلسل إلى ما لا نهاية ، كما لو قلنا أنّ شخصاً من الماء له تقدّم بشخصه على شخص آخر من الهواء ، إذ لا مانع أن تكون لكلّ مادّةٍ مادّة ، أخرى إلى ما لا نهاية ، أي يكون كلّ شخص يتولّد منه شخص آخر قبله وهكذا ، إذ في هذه الحالة لا يتوفّر أحد شرائط استحالة التسلسل وهو الاجتماع في الوجود ، وعليه فلا تجري فيها براهين استحالة التسلسل ، كما هو الحال في أشخاص الحركة القطعية التي لا اجتماع فيها ، فلا مانع من تسلسلها لا إلى نهاية .
وهذا ما ذكره صدر المتألّهين بقوله : « إنّ مادّة الشيء قد يراد به الجزء القابل للصورة ، وقد يراد به الذي من شأنه أن يصير جزءاً قابلًا لشيء آخر ، كالماء إذا صار فيه هواء ، فإنّ الجزء القابل للصورة المائيّة صار قابلًا للصورة الهوائيّة ، فنقول : أمّا تناهى المواد بالمعنى الأوّل ؛ لأنّه لو كان لكلّ قابل قابل آخر إلى لا نهاية ، لكان أجزاء الماهيّة الواحدة غير متناهية ، وذلك محال .
وأمّا بيان تناهى الموادّ بالمعنى الثاني ؛ فلأن مادّة الهوائيّة إذا أمكن أن يقبل صورة المائيّة فمادّة الماء أيضاً يصحّ أن يقبل الصورة الهوائيّة ، فإذاً يصحّ انقلاب كلّ منهما إلى الأخرى . وإذا كان كذلك فليس أحد النوعين أولى بأن يكون مادّة الأخرى من الآخر ، بأن يكون مادّة الأولى ، بل ليس ولا واحد منهما مقدّماً على الآخر في النوعيّة ، بل يجوز أن يكون شخص من المائيّة تقدّم بشخصيّته على شخص آخر من الهواء ، ونحن لا نمنع من أن يكون لكلّ مادّةٍ ، مادّةٌ أخرى بهذا المعنى لا إلى السابقة ، فلو لم تكن للصورة نهاية ، أي يكون كلّ شخص فهو إنّما يتولّد من شخص آخر قبله ؛ لأنّ هذه الأشخاص كأشخاص الحركة القطعيّة التي لا اجتماع فيها ولا امتناع في عدم انقطاعها » « 1 » .
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة : ج 2 ، ص 170 .