الفصل لا بشرط - فيلزم أن تكون للماهيّة فصول لا متناهية ، فلا يمكن تعقّلها ؛ لعدم إمكان إدراك اللامتناهي ، والحال أنّنا نتعقّلها ، فيدلّ على أنّها متناهية .
وهذا ما ذكره بقوله : « وأمّا تناهى العلل الصوريّة فهو من جهتين : إحداهما : أنّ الصورة الأخيرة تكون علّة للصورة . . . ، وثانيتهما : أنّ الصور أجزاء الماهيّة ويستحيل أن تكون للماهية الواحدة أجزاء غير متناهية » « 1 » .
لكنّه ( قدس سره ) ذكر بحثاً مفصّلًا لإثبات استحالة التسلسل في العلل المادّية ، حاصله : أنّ مادّة الشيء تطلق على معنيين :
المعنى الأوّل : هو الجزء القابل للصورة .
المعنى الثاني : هو الشيء الذي يصير جزؤه القابل جزءاً قابلًا لشيء آخر ، كالماء إذا صار هواءً ، فإنّ الجزء القابل للصورة المائيّة صار قابلًا للصورة الهوائيّة .
وإذا تبيّن ذلك نقول : أمّا تناهي الموادّ بالمعنى الأوّل - الجزء القابل للصورة - فلأنّه لو كان قابلًا لكلّ قابلٍ آخر لا إلى نهاية ، لكانت أجزاء الماهيّة الواحدة غير متناهية ، وهو محال ، لأنّ الماهيّة مركّبة من المادّة والصورة ، وأنّ الجنس عين المادّة ، وإنّما الفرق بينهما بالاعتبار ، وكذا الحال في الصورة والفصل ، فإذا فرضنا أنّ العلّة المادّية لا متناهية ، يلزم أن تكون الماهيّة مركّبة من أجناس وفصول لا متناهية ، فلا تكون قابلة للإدراك ، لعدم إمكان إدراك ؛ الذهن للّامتناهي ، وبهذا يتّضح استحالة التسلسل في المادّة بالمعنى الأوّل .
أمّا استحالة التسلسل في المادّة بالمعنى الثاني - وهو الشيء الذي يصير جزؤه القابل جزءاً قابلًا لشيء آخر - فلأنّ مادّة الهواء إذا قبلت الصورة المائيّة فمادّة الماء يمكن أن تقبل الصورة الهوائيّة ، وفي هذه الحالة يمكن انقلاب كلّ من الماء إلى الهواء ، والهواء إلى الماء ، وإذا كان كذلك فلا تكون إحداهما مادّة للأخرى أولى من الثانية ، فلا تكون إحداهما مقدّمة على الأخرى .
هامش
( 1 ) المصدر السابق : ج 2 ، ص 171 .