وهذا ما ذكره صدر المتألّهين بقوله : « لأنّ كون ماهيّة الشيء علّة لما هو علّة لوجوده مع أنّه ظاهر الاستحالة لما فيه من وجود المعلول قبل وجود العلّة ، ليس ممّا نحن فيه ، أعني الدور المفسّر بتوقّف الشيء على ما يتوقّف عليه ؛ لتعدّد الجهات في الموقوف عليه ، كما أنّ الصورة تتوقّف على المادّة بجهة ، وتوقّفت عليها المادّة بجهة أخرى » « 1 » .
الدليل الثاني
لو كان شيئان كلّ منهما علّة للآخر ، فيلزم أن يكون كلّ منهما مفتقراً ومحتاجاً إلى الآخر ، والمفتقر إلى المفتقر إلى الشيء يجب كونه مفتقراً إلى ذلك الشيء . مثلًا : إذا كان ( أ ) محتاجاً إلى ( ب ) و ( ب ) محتاجاً إلى ( أ ) فيلزم أن يكون ( أ ) محتاجاً إلى ( أ ) وهو محال ؛ لوجهين « 2 » :
الوجه الأوّل : « إنّ المفتقِر إلى الشيء محتاج إليه والمفتقَر إليه غير محتاج إلى المفتقِر . فلو كان الشيء الواحد مفتقراً إلى نفسه ، لزم كون الشيء الواحد بالنسبة الواحدة ، محتاجاً وغنيّاً ، وذلك جمع بين النقيضين وهو محال » « 3 » .
الوجه الثاني : الاحتياج والافتقار إلى الشيء هو نسبة مخصوصة بين المفتقر والمفتقَر إليه ، ومن الواضح أنّ النسبة لا يمكن أن تتحقّق إلّا بين أمرين فقط .
وعلى هذا الأساس فإنّ الأمر الواحد من جهة واحدة - أي نسبة الشيء إلى
هامش
( 1 ) قال الحكيم السبزواري في تعليقته على الأسفار : « قولهم : العلّة الغائيّة بماهيّتها علّة لما هو علّة لها بوجوده ، فليس المراد به علّية شيئيّة ماهيّتها ، بل عليّتها بوجودها الذهني » ؛ الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة : ج 2 ، ص 143 تعليقة رقم ( 1 ) .
( 2 ) انظر : المطالب العالية : ج 1 ، ص 138 ؛ الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة : ج 2 ، ص 143 ؛ شرح المقاصد : ج 2 ، ص 113 .
( 3 ) المطالب العالية : ج 1 ، ص 138 .