بحث تفصيلي في أدلّة إبطال الدور
ذكر الفخر الرازي في المطالب العالية ثلاثة أدلّة على أبطال الدور ، وهذه الأدلّة ذكرها المتأخّرون أيضاً « 1 » وفيما يلي تقرير هذه الأدلّة :
الدليل الأوّل
ثبت أنّ العلّة متقدّمة على معلولها ، فإذا فرضنا شيئين - مثل ( أ ) و ( ب ) - كلّ منهما علّة للآخر ، كان كلّ واحد منهما متقدّماً على الآخر ، مثلًا : إذا كان ( أ ) مقدّماً على ( ب ) فإنّ ( ب ) مقدّم على ( أ ) أيضاً ، وإذا كان كلّ منهما متقدّماً على الآخر لزم كونه متقدّماً على المتقدّم على نفسه ، والمتقدّم على المتقدّم على الشيء الواحد متقدّم على نفسه ، وهو محال « 2 » .
وقد أورد على هذا الاستدلال بإشكالين :
الأوّل : أنّ قولكم بأنّ العلّة متقدّمة على معلولها : إن كان المراد من التقدّم هو التقدّم الزماني ، فهو باطل ، « لأنّا بيّنا أنّ هذا التقدّم محال ، وأيضاً فقد بيّنا أنّه لو صحّ القول بالتقدّم الزماني فإنّه يسقط هذا الدليل .
وأمّا إن أردتم به التقدّم بالذات والعلّية ، فنقول : القول بإثبات التقدّم بالذات والعلّية ، كلام وقع في ألسنة الفلاسفة ، فيجب البحث عنه .
فنقول : هل مرادكم من التقدّم بالعلّية : كون هذا مؤثّراً في ذاك وعلّة له وموجباً ، أم تريدون به أمراً آخر غير هذا التأثير ؟ فإن كان المراد هو الأوّل كان
هامش
( 1 ) انظر : شرح المواقف : ج 4 ، ص 15 ؛ وانظر شرح المقاصد : ج 2 ، ص 111 - 113 ؛ وانظر الأسفار : ج 2 ، ص 141 - 144 .
( 2 ) المطالب العالية من العلم الإلهي : ج 1 ، ص 131 .