الثاني : حاصل هذا الإشكال أنّه يمكن أن يكون الشيء علّة بما هو علّة له من غير لزوم تقدّمه على نفسه ، وسند المنع وجهان :
الوجه الأوّل : إنّ المحتاج إلى المحتاج إلى الشيء الآخر ، لا يلزم أن يكون محتاجاً إلى ذلك الشيء ، مثلًا : زيد محتاج إلى أبيه ، وكذلك أبو زيد محتاج إلى جدّ زيد ، أمّا زيد فهو لا يحتاج إلى الجدّ ، لأنّ العلّة القريبة كافية لتحقّق الشيء ، من غير احتياج إلى العلّة البعيدة ، وإلّا لزم تخلّف الشيء عن علّته القريبة .
الوجه الثاني : إنّ الشيء بماهيّته علّة للشيء ، وهذا الشيء الثاني علّة للشيء الأوّل ، مثلًا : الغاية من بناء العمارة يكون علّة فاعليّة للمهندس ، والمهندس علّة تحقّق العمارة في الخارج . وهذا ما ذكره صدر المتألّهين بقوله : « وثانيهما : أن يكون الشيء بماهيّته علّة لشيء ، هو علّة لوجود ذلك الشيء » « 1 » .
وقد أجيب عن الوجه الأوّل : بأنّه إذا لم توجد العلّة البعيدة للشيء - مثلًا جدّ زيد الذي هو علّة بعيدة لزيد - فلا تتحقّق العلّة القريبة ( أبو زيد ) وما لم توجد العلّة القريبة لم يوجد ذلك الشيء - أي لم يوجد زيد - وهو معنى احتياج الشيء إلى العلّة البعيدة ، وتخلّف الشيء عن علّته القريبة ، هو فيما لو وجدت العلّة القريبة بدون البعيدة من غير وجود المعلول .
وأجيب عن الوجه الثاني : إنّ قول الفلاسفة بأنّ العلّة الغائيّة علّة فاعليّة لفاعليّة الفاعل ، هو عليّتها من جهة ماهيّتها . وعلى هذا الأساس يوجد فرق في حيثيّة التقدّم والتأخّر ، فإنّ العلّة الغائيّة من جهة ماهيّتها هي علّة ومقدّمة على فاعليّة الفاعل ، لكن من جهة وجودها ، فهي متأخّرة عن فاعليّة الفاعل ، والمراد من الدور الباطل هو كون الشيء علّة للشيء الآخر والشيء الآخر علّة للأوّل من نفس الحيثيّة التي يكون بها معلول للأوّل .
هامش
( 1 ) المصدر السابق .