ولقائل أن يقول : مدار هذه الحجّة على قولهم : « إنّ علّة الشيء علّة لذلك الشيء » ، وهذا كلام مبهم يجب البحث عنه .
فيقال : إن أردتم بقولكم : « علّة الشيء يجب كونها علّة لذلك الشيء ، ويجب كونها مؤثّرة في ذلك الشيء ، وموجدة له » فهذا باطل قطعاً ، لأنّه على هذا التقدير تكون علّة العلّة علّة قريبة للشيء ، وكونها علّة قريبة لذلك الشيء يمنع من كونها علّة للعلّة ، فقولكم : « علّة علّة الشيء يجب كونها علّة قريبة لذلك الشيء » كلام متناقض .
وإن أردتم به أنّها علّة لعلّة الشيء ، فهذا مسلّم ، إلّا أنّه يرجع حاصل الكلام فيه ، إلى أنّ علّة علّة الشيء يجب كونها علّة لعلّة ذلك الشيء ، ومعلوم أنّ هذا الكلام عبث ولا فائدة فيه « 1 » .
الوجوه المذكورة على إمكان الدور
ذكر الفخر الرازي بعض الوجوه التي احتجّ بها البعض على عدم امتناع الدور ، وهذه الوجوه هي :
الوجه الأوّل : إنّ الهيولى والصورة كلّ منهما محتاج إلى الآخر ، والجوهر والعرض يحتاج كلّ منهما إلى الآخر وهو دور « 2 » .
وأورد عليه : « إنّا لا نقول بالهيولي والصورة . أمّا الجسم فإنّه مستلزم للحصول في الحيّز ، إلّا أنّ ذات الجسم توجب الحصول في الحيّز المطلق ، وعلى هذا التقدير فالملازمة ( بينهما ) لأنّ ذات الجسم توجب الحصول في الحيّز المطلق » « 3 » .
هامش
( 1 ) المطالب العالية : ج 1 ، ص 138 .
( 2 ) انظر : المطالب العالية : ج 1 ، ص 139 .
( 3 ) المصدر نفسه .