مقدّماً على نفسه بمرتبتين ، هذا في الدور المصرّح ، ثمّ كلّما يزيد عدد الواسطة يزيد عدد مراتب تقدّم الشيء على نفسه مع مرتبة أخرى يزيد عليها » « 1 » .
ولا يخفى أنّ الدور بما هو دور ليس محالًا ، ولكنّه يكون محال للزومه إلى المحال الذاتيّ وهو تقدّم الشيء على نفسه الذي يؤول إلى اجتماع النقيضين ، ومن الواضح أنّ اجتماع النقيضين من المحال الذاتي .
وأمّا سبب كون الدور قريباً من البداهة فهو : « إنّ قضيّة استحالة الدور وإن كانت نظريّة إلّا أنّها تتبيّن بقياس بسيط ، أوسطه استلزام تقدّم الشيء على نفسه ، فهي نظريّة تنتهي إلى البديهيّ بلا واسطة ، وهذا بخلاف ما يحتاج إثباته إلى القياس المركّب ، فإنّه إنّما يستنتج من مقدّمات كلّها أو بعضها نظريّة تحتاج إلى إقامة برهان عليها ، فلا تنتهي إلى البديهيّات إلّا بواسطة بعض النظريّات » « 2 » .
ولا فرق في استحالة الدور بين المصرّح والمضمر ، غايته أنّ الدور الصريح من غير واسطة ، وتوقّف الدور المضمر على الوسائط وهما من جهة المحاليّة على حدّ سواء ، لأنّ مآل كلّ واحد منهما على توقّف الشيء على نفسه ، بل ويلزم من الدور كون الشيء موجوداً ، وغير موجود من قبل نفسه ، فمن تحقّق وجوده عدم وجوده ، وملاك الدور وإن كان هو توقّف الشيء على نفسه ولكن يستلزم علّية الشيء لنفسه ، وذلك محال بضرورة العقل ، إلّا أنّه دائماً مستلزم لوجود الشيء قبل وجوده ، وكونه علّة لنفسه ومعلولًا لها ، وذلك محال ، وهذا اللازم لا فرق فيه بين ما كان بلا واسطة أو كان مع الوسائط .
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة : ج 2 ، ص 142 .
( 2 ) تعليقة الشيخ الفيّاضي على نهاية الحكمة : ج 3 ، ص 637 ، رقم ( 1 ) .