وتشكيكه ، وبيّنوا ذلك : بأنّه لو لم يكن بين الفعل المعلول وعلّته الفاعلة له مناسبة ذاتية وخصوصيّة واقعيّة - بها يختصّ أحدهما بالآخر - كانت نسبة الفاعل إلى فعله كنسبته إلى غيره ، كما كانت نسبة الفعل إلى فاعله كنسبته إلى غيره ، فلم يكن لاستناد صدور الفعل إلى فاعله معنى ، ونظير البرهان يجري في المعلول بالنسبة إلى سائر العلل ، ويثبت الرابطة بينه وبينها ، غير أنّ العلّة الفاعلة لمّا كانت هي المقتضية لوجود المعلول - ومعطي الشيء غير فاقده - كانت العلّة الفاعلة واجدة لكمال وجود المعلول ، والمعلول ممّثلًا لوجودها في مرتبة نازلة » « 1 » .
وهذا واضح على مبنى الحكمة المتعالية التي تقول : إنّ المعلول يحتاج في وجوده إلى العلّة الموجدة له ، وهذا الفقر هو عين ذاته وهويّته ، وإلّا إذا كان عارضاً على ذاته وهويّته ، فالنتيجة أن يكون المعلول غير محتاجٍ إلى علّته من ناحية الذات ، ولازمه أن يكون المعلول مستقلّا ، مع أنّه غير مستقلّ ، وهو خلاف الفرض ، وعليه : فإنّ وجود المعلول بالنسبة إلى علّته الفاعليّة هو عين الربط والتعلّق ، والاستقلال الذي يبدو في بادئ الأمر له هو في الحقيقة وجه لاستقلال ووجود علّته ، والنتيجة : لوجود المعلول مسانخة ذاتية وحقيقة مع وجود علّته ؛ لأنّ المرتبة النازلة من وجود علّته .
ويمكن تقرير الاستدلال المذكور بشكل أوضح بما يلي :
1 . مقتضى العلّة والمعلول بين شيئين هو ارتباطهما ، لا تباينهما .
2 . هذه الرابطة هي نوع الإيجاد والانوجاد .
3 . الارتباط الوجودي للمعلول بالعلّة هو عين واقعيّة المعلول ، وليس أمراً عارضاً على واقعيّته .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 13 ، ص 194 .