تختصّ واحدة منها بالواجب تعالى ، والباقية بالممكنات ، وبينها ما هو أشرف ، وما هو أخسّ ، ثمّ إنّ رجوع وجود المعلول - بالنسبة إلى وجود العلّة الفيّاضة - إلى الوجود الرابط الذي لا يستقلّ في نفسه بوجه دون أن يتقوّم بوجود نفسيّ هو المقوّم له ، يوجب كون المراتب بحيث كلّ مرتبة ذاتية منها رابطة بالنسبة إلى ما فوقها ، متقوّمة به ، وهو مقوّمها ، فلو فرضناها سلسلة مترتّبة من مراتب ثلاث ، كانت المرتبة الدانية رابطة متقوّمة بما فوقها لا غير ، والمتوسّطة وجوداً نفسيّاً مقوّماً لما دونها رابطة بالنسبة إلى ما فوقها ، متقوّمة به ، والعالية وجوداً نفسيّاً ، متقوّمة لما دونها مطلقاً . إذا تمهّدت هذه المقدّمة ، فنقول : لو تحقّق ما هو أخسّ ولم يتحقّق ما هو أشرف قبله - سواء تحقّق معه أو بعده ، أو لم يتحقّق أصلًا - لزم تحقّق ما فُرض متقوّماً بالذات بدون مقوّمه ، هذا خلف » « 1 » .
وذكر هذا الاستدلال في نهاية الحكمة بهذه الصورة ، حيث قال : « يمكن الاستدلال بما هو أوضح من ذلك ، فإنّ الشرافة والخسّة المذكورتين وصفان للوجود ، مرجعهما إلى الشدّة والضعف بحسب مرتبة الوجود ، فترجعان إلى العلّية والمعلوليّة ، مآلهما إلى كون الشيء مستقلّا موجوداً في نفسه ، وكونه رابطاً قائماً بغيره موجداً في غيره ، فكلّ مرتبة من مراتب الوجود متقوّمة بما فوقها ، قائمة به ، وأخسّ منه ، ومقوّمة لما دونها ، مستقلّة بالنسبة إليه ، وأشرف منه ، فلو فرض ممكنان أشرف وأخسّ وجوداً ، كان من الواجب أن يوجد الأشرف قبل الأخسّ قبليّة وجودية ، وإلّا كان الأخسّ مستقلّا غير رابط ولا متقوّم بالأشرف ، وقد فرض رابطاً متقوّماً به ، وهذا خلف » « 2 » .
هامش
( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة : ج 3 ، ص 245 ، تعليقة العلّامة الطباطبائي رقم ( 3 ) .
( 2 ) نهاية الحكمة : ص 386 .