تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الحكمة ( تعليقات الزارعي السبزواري ) — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
ومن أحكام تقابل التناقض أنّ تقابل النقيضين إنّما يتحقّق في الذهن أو في اللفظ بنوع من المجاز ، لأنّ التقابل نسبة قائمة بطرفين ، وأحد الطرفين في المتناقضين هو العدم ، والعدم اعتبار عقليّ لا مصداق له في الخارج . وهذا بخلاف تقابل العدم والملكة ، فإنّ العدم فيه - كما سيأتي إن شاء اللّه [ 1 ] - عدم مضاف إلى أمر موجود ، فله حظّ من الوجود ، فالتقابل فيه قائم في الحقيقة بطرفين موجودين . ومن أحكام هذا التقابل امتناع الواسطة بين المتقابلين به [ 2 ] ، فلا يخلو شيء من الأشياء عن صدق أحد النقيضين ، فكلّ أمر مفروض إمّا هو زيد مثلا أوليس بزيد ، وإمّا هو أبيض أوليس بأبيض ، وهكذا ، فكلّ نقيضين مفروضين يعمّان جميع الأشياء . ومن أحكام هذا التقابل أنّ النقيضين لا يصدقان معا ولا يكذبان معا ، على سبيل القضيّة المنفصلة الحقيقيّة - كما تقدّمت الإشارة إليه [ 3 ] - وهي قولنا : « إمّا أن يصدق الإيجاب أو يصدق السلب » . وهي قضيّة بديهيّة أوّليّة يتوقّف عليها صدق كلّ قضيّة مفروضة ، ضروريّة كانت أو نظريّة . فليس يصدق قولنا : « الأربعة زوج » مثلا إلّا إذا كذب قولنا : « ليست الأربعة بزوج » . وليس يصدق قولنا : « العالم حادث » إلّا إذا كذب قولنا : « ليس العالم بحادث » . ولذا سمّيت قضيّة امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما ب « أولى الأوائل » . ولذا كان الشكّ في صدق هذه المنفصلة الحقيقيّة مزيلا للعلم بكلّ قضيّة مفروضة ، إذ لا يتحقّق العلم بصدق قضيّة إلّا إذا علم بكذب نقيضها ، والشكّ في هذه المنفصلة الحقيقيّة يوجب الشكّ في كذب النقيض ، ولازمه الشكّ في صدق النقيض الآخر ، ففي الشكّ فيها هلاك العلم كلّه وفساده من أصله ، وهو أمر تدفعه الفطرة الإنسانيّة . وما يدّعيه السوفسطيّ من الشكّ دعوى لا تتعدّى طور اللفظ البتّة ، وسيأتي تفصيل القول فيه [ 4 ] .
هامش
( 1 ) في الفصل الآتي . ( 2 ) أي : بهذا التقابل . ( 3 ) في ابتداء هذا الفصل . ( 4 ) في الفصل التاسع من المرحلة الحادية عشرة .