القاعدة الأوّليّة هو التخيير في الصلاة إلى الجهات حتّى مع سعة الوقت ، أو قل : إنّ المطلوب صلاة واحدة بأيّ اتّجاه كان ، وذلك مع الالتفات إلى أنّ الجزم بالنيّة غير ممكن مع التعدّد ، فيكون التعدّد موافقاً للاحتياط باعتبار شرطية القبلة ، ومخالفاً له باعتبار شرطيّة الجزم ، ولا دليل على لزوم الاحتياط من جهة إذا خالفه من جهة أُخرى .
إلّا أن نتمسّك بدليل ( لا تعاد ) على وجود التعدّد والتكرار لإحراز القبلة ، وهي إحدى الخمسة المذكورة في الصحيحة ، ولم يرد في الجزم بالنيّة دليل من هذا القبيل ، فيكون الاحتياط في القبلة أولى .
ولكن يمكن المناقشة في ذلك بأكثر من وجه واحد :
أوّلًا : أنّ ( لا تعاد ) في صدد بيان الإعادة كما هو نصّها ، وليست في مقام بيان حكم الصلاة لأوّل مرّة .
ثانياً : أنّ الفرد إذا صلّى إلى إحدى الجهات تخييراً - في مورد المسألة - فقد صلّى إلى القبلة المعتبرة في حقّه ، والمفروض أنّه لم يثبت الخلاف ، فلا يكون مشمولًا للصحيحة .
إذن فالفتوى بوجوب التعدّد متعذّر . نعم ، يبقى الاحتياط قائماً ، خاصّة ونحن نقول : بأنّ قصد الرجاء غير منافٍ مع الواقع ، فلا يكون منافياً مع الاحتياط بهذا المعنى ، فيكون الاحتياط من جهة القبلة هو الأولى .
والدليل المحتمل على التخيير في القبلة - لو تمّ - أخذنا به ، وإلّا صرنا إلى أصالة الاشتغال ووجوب الاحتياط ، وهو قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ
بيان الفقه — صفحة 155
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٥٥