فإن قيل : إنَّه بناءً على ذلك ، يدور الأمر بين تقييد الآية بمورد الاجتماع من مدلول الحديث ، أو تقييد الحديث بمورد الاجتماع من مدلول المفهوم في الآية ، لا يبعد تقديم التقييد الثاني ؛ لأنَّ الحديث بعد تقييده يبقى له مورد للشمول ، وأمَّا المفهوم بعد تقييده فلا يبقى له مورد إلَّا السالبة بانتفاء الموضوع .
وإذا رفعنا اليد عن التقييد فيبقى مورد الاجتماع في الدليلين مدلولًا عليه بنحوٍ متهافت إلى حدّ التناقض ؛ فإنَّ الحديث ينصّ على وجوب القصر فيه والآية تنفيه ، فيتقدّم العموم الكتابي لا محالة . وهذه النتيجة كسابقتها ضدّ مصلحة إثبات كبرى سببيّة مطلق الخوف للقصر كما هو واضح .
قلنا : إنَّه لا موجب لرفع اليد عن التقييد ، وإذ يدور الأمر بين التقييدين ، يصحّ ما قيل ، لولا نكتة في الحديث الشريف يجب أخذها بنظر الاعتبار ، وهي التأكيد على سببيّة الخوف ، وجعله أولى من السفر في القصر ، وهذا يعطي مضافاً إلى أهميّة الملاك في مورده بنظر الشارع ، يعطي جهة شمول واستيعاب لا تكاد تكون قابلةً للتقييد بحسب سياقها ، فإنَّ ما هو الأولى من السفر ليس هو خصوص الحرب مع الكفّار كما هو واضح ، بل كلّ ما يوازيه من المخاطر ، من أنحاء الخوف من اللصوص أو الوحوش أو نحو ذلك .
ومع أخذ هذا الشمول المؤكّد في جانب الحديث ، يتعيّن أن يكون مقيّداً للآية ، كما قلنا في أوّل المناقشة . ويقتصر مدلول المفهوم - على تقدير وجوده - بما إذا انتفى الخوف أساساً .
وبعبارة أُخرى : إنَّه بدوران الأمر بين التقييدين يدور الأمر بين محذورين ، إمَّا بقاء مفهوم الآية بدون مورد ، وإمَّا رفع اليد عن الشمول المؤكّد للحديث ، ولا شكَّ أنَّ المحذور الثاني أشدّ عرفاً ؛ أخذاً بالتأكيد المستفاد من الحديث .
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام — صفحة 84
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٨٤