إلَّا أنَّ هذا الكلام يرد عليه :
أوّلًا : إنكار هذا المفهوم أساساً بعد أن عرفنا أن تتميم الكبرى بالنحو المشار إليه ضعيفٌ غايته ، ولم يقل به أحد .
ثانياً : أنَّ مفهوم وجوب التقصير عند الخوف من الكفّار يعني انتفاء وجوبه عند هذه الحصّة من الخوف . وهو يناسب مع عدم الخوف أصلًا ومع وجود الخوف بأسباب أُخرى . فإذا دلَّ الحديث الشريف على وجوب القصر بكلِّ سبب ، كانت حصّة الخوف الناشئ من الكفّار ، مطابقةً مع منطوق الآية وأجنبيةً عن مفهومها ، فلا تصلح للتقييد أو المعارضة ، فتبقى الحصّة الأُخرى من مدلول الحديث ، وهي الخوف الناشئ من أسباب أُخرى ، وهو أخصّ من مفهوم الآية فيتقدّم عليه بالتخصيص . ويختصّ المفهوم - بعد تقييده - بصورة عدم وجود الخوف أصلًا .
لا يُقال : إنَّ النسبة بين الدليلين بعد ملاحظة جميع ما يشملانه من الحصص هي العموم من وجه ؛ فلابدَّ من تقديم المفهوم الكتابي لا محالة في مورد الاجتماع ، وهو الخوف الناشئ عن غير الكفّار .
فإنَّه يُقال : ليست النسبة بين الإطلاقين هي العموم من وجه ، فإنَّنا لا نفهم من هذه النسبة إلَّا العنوانين اللذين يلتقيان في مورد ، ويكون لكلِّ منهما مورد افتراق ، وفي المقام ليس كذلك ؛ فإنَّهما وإن كانا يجتمعان في الخوف الناشئ من غير سبب الكفّار ، إلَّا أنَّ مورد عدم وجود الخوف أصلًا لا يصلح أن يكون مورداً للافتراق ، لكونه دالًا على السالبة بانتفاء الموضوع ، كما أنَّ شمول الحديث للخوف الناشئ من الكفّار أجنبيٌّ عن كلا شقّي المفهوم موضوعاً ومحمولًا كما أشرنا إليه ، فلا يصلح أن يكون مورداً للافتراق أيضاً .
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام — صفحة 83
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٨٣