الكفّار لا مطلق الخوف . ودعوى : كون العلّة ظاهرة بالوقوف عند الطبيعي الجامع دائماً ، عهدتها على مدّعيها .
القرينة الثالثة : ظهور السياق بالتجريد عن الخصوصيّة ، وحمل المورد على المثاليّة .
وذلك بأن يُقال : بأنَّ المجتمع الذي نزل فيه القرآن - وهو المجتمع الإسلامي الأوّل - لم يكن يدرك خوفاً مهمّاً في السفر إلَّا هذا المعنى ، وهو تعرّض المشركين والكفّار لهم في الطريق ؛ لأنَّه كان مجتمع رسالة ودعوة ومناجزة للكفّارة بحدّ السيف . وأمّا الأخطار الأُخرى كاللصوص والوحوش ، فكانت هيّنة نسبيّاً في نظرهم ، ومن هنا أصبح مورد الآية هو أهمّ الأخطار المتصوّر في ذلك الحين . وهو إنَّما ذكر مثالًا لأيّ خوف أو خطر أحاط بالإنسان ، فإنَّ العرف بعد التجريد عن خصوصيّة المورد يفهم التعميم لطبيعيّ الخوف الناشئ من خطرٍ فعليّ . نعم ، يبقى في الخوف الوهمي إشكال من حيث شمول العموم له ، كما يأتي في مورده .
لا يُقال : بأنَّ السياق الذي أشرنا إليه - وهو اتباع هذه الآية بآية تشريع صلاة الخوف - يدلّ بوضوحٍ على أنَّ الخوف من الكفّار لم يذكر عرضاً ، وإنَّما ذكر كشيءٍ أساسي وإلَّا لما صحّ الاستطراد منه إلى تشريع صلاة الخوف ، وإذا كان ذكره أساسيّاً لم يمكن تجريد خصوصيّته .
فإنَّه يُقال : أوّلًا : أنَّ كون ذكر شيءٍ أساسيّاً في الكلام لا يستلزم كونه قيداً فيه ، وإذا لم يكن قيداً أمكن تجريده عن الخصوصيّة لا محالة .
ثانياً : أنَّنا ننكر أن يكون ذكره أساسيّاً بنحو ينافي المثاليّة ، ومع ذلك يمكن الاستطراد إلى ذكر أحكام صلاة الخوف بلا أيّ محذور بلاغيّ ، فإنَّ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام — صفحة 65
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٦٥