حيث إنَّها أقوى ظهوراً من الوصف وآكد ، لم يمكن أن تخلّ الغلبة بظهورها بالتوقّف والاشتراط .
مضافاً إلى ما ستعرف من أنَّ السياق القرآني كلّه قائم على الكلام عن الخوف وما يترتّب عليه من الأحكام شرعاً ، ومعه لا يمكن غضّ النظر عن سببيّته وشرطيّته ، وغاية ما يكون لهذه الغلبة من أثر هو كونها سبباً وحكمة للتشريع ، بمعنى : أنَّ الله تعالى حيث علم غلبة الخوف في السفر ، جعل حكم التقصير فيه تسهيلًا على العباد . إذن فهي حكمة وليست علّة ولا قيداً .
الأمر الرابع - لرفع اليد عن ظهور الآية بشرطيّة المجموع - : هو أن يُقال : أنَّ الآية وإن احتوت على شرطين لجزاء واحد ، إلَّا أنَّ أحدهما وهو السفر متقدّم في اللفظ على الآخر ، وإذ يدور الأمر بينهما بعد العلم بعدم شرطيّة المجموع لقيام الإجماع على خلافه ، يتقدّم الشرط الأوّل لا محالة .
وهذا إن أُريد به ما هو ظاهره من إلغاء شرطيّة الخوف فهو غير تامٍّ ؛ لوجوه :
أحدها : إنكار تأثير ضمّ مسألة الإجماع في النتيجة ، كما سبق غير مرّة .
وثانيها : أنَّه لا يتعيّن إلغاء شرطيّة الخوف ، بل يمكن أن يكون سبباً مستقلًا ، ويكون ذلك كافياً في التفصّي عن مخالفة الإجماع .
وبتعبير آخر : إنَّ الأمر ليس دائراً بينهما ، كما تُخيّل ، وإنَّما هناك احتمال آخر ، وهو استقلال الخوف بالشرطيّة ، فيتعيّن ذلك بعد ظهور الآية في الشرطيّة في الجملة ، وعدم صلاحيّة الإجماع لرفع اليد عنه من هذه الناحية .
وثالثها : أنَّ كون الشرط متقدّماً لا يعطيه الظهور في التعيّن عند دوران الأمر بينهما ، بعد إشراكهما في الشرطيّة ، والعلم بكذب أحدهما على الفرض .
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام — صفحة 59
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥٩