نعم ، لهذا التوهّم في التروك مجالٌ واضحٌ ؛ لكون الأجزاء كانت واجبةً حال الاختيار وكان تركها محرّماً ، ومقتضى إطلاق أدلّتها بقاء الحرمة حال الخوف ، فيكون الأمر وارداً مورد الحظر لا محالة .
إلَّا أنَّ هذا التقريب فيه غفلةٌ عن أمرين :
أحدهما : أنَّ المحقَّق في علم الأصول كون ترك الواجب ليس بمحرّمٍ ؛ لعدم استلزام الأمر بالشيء النهي عن ضدّه « 1 » .
ثانيهما : أنَّه لو سُلّم ذلك فهي حرمةٌ وضعيّةٌ ضمنيّةٌ وليست استقلاليّةً ، كما أنَّها ليست بتكليفيّةٍ إلَّا مع الترك في جميع الوقت ، فتأمّل . ومعنى ضمنيّتها هو كون عصيانها مؤدّياً إلى بطلان الفرد المأتّي به ، فغاية ما يُستفاد من الأمر الوارد في الآية حينئذٍ هو رفْع هذه الحرمة الضمنيّة المستلزِم لصحّة الباقي لا محالة .
وهذا أمرٌ أجنبيٌّ عن كون الأمر الوارد مورد الحظر يفيد الجواز ، إلَّا إذا أردنا من الجواز الصحّة ومن الحظر البطلان ، وهو كما ترى .
يبقى أنَّ سقوط هذه الحرمة هل هو بنحو العزيمة أم بنحو الرخصة ؟ فهذا ما تتّضح جملةٌ من جوانبه في هذا الأمر الثاني الذي نتعرّض له فيما يلي .
الأمر الثاني الذي يقرّب به : كونُ الأمر للجواز هو التمسّك بالتفصيل الموجود في الآية ، فإنَّ مفاد قوله تعالى : فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا « 2 » هو مفاد قولنا : صلّوا إمّا ركباناً وإمّا راجلين . إذن فلكلٍّ من الأمرين عدلٌ ، وما له عدلٌ لا
هامش
( 1 ) راجع بحوث في علم الأُصول 3 : 289 وما بعدها ، مباحث الدليل اللفظي ، بحوث الأوامر ، مبحث الضدّ .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 238 .