ومن المعلوم أنَّ الفعل المنقول في الرواية وإن لم يكن له إطلاق ، إلَّا أنَّه يُثبت لا محالة جوازَ مقدارٍ من الحركة ، بحيث تؤدّي بالنحو المتعارف إلى تبادل الصفَّين ، ومن الغريب أن يُدّعى أنَّ الحركة المتعارفة للصفّين المتراصّين مبطلةٌ للصلاة بنفسها أو بلوازمها .
وأمّا إذا لم يكن الصفَّان متراصّين ؛ بمعنى أنَّهم نظّموا أنفسهم ، بحيث يجعلون فراغاً أمام كلّ مصلٍّ في الصفّ المتأخّر ، وفراغاً وراء كلّ مصلٍّ في الصفّ المتقدّم ، بأن جعلوا بين كلِّ واحدٍ من المصلّين في الصف الأوّل فراغاً بمقدارٍ يكفي لصلاة شخصٍ واحدٍ ، وكذلك في الصفّ المتأخّر ، وجعلوا المصلّين فيه يقفون أمام الفراغ من الصفّ الأوّل .
وإنَّما يعملون ذلك فرضاً لأجل أن لا يستلزم الانتقال بطلانَ الصلاة ، فإنَّ كلّ واحدٍ من الصفَّين يتقدّم أو يتأخّر إلى فراغ موجودٍ لا إلى مكان مصلٍّ كان في هذا الموضع ، وبذلك تسهل حركته ومحافظته على صحّة صلاته .
وهذا الترتيب وإن كان يصحِّح الصلاة الانفراديّة ، بمعنى : أنَّ صفّين من هذا القبيل لو تبادلا التقدّم والتأخّر لَمَا حكمنا ببطلان صلاتهم ، ولكن أصل انعقاد الجماعة يكون مشكلًا .
وذلك : أمّا في الصفّ الأوّل فصحّته موقوفٌة على مبنى مَن يقول بجواز الفصل بمقدار مكان مصلٍّ واحدٍ بين مصلٍّ ومصلٍّ ، وأمّا مَن يقول بعدم جوازه وبضرورة التقارب بين المصلّين أكثر من ذلك ، فإنَّه ملزمٌ بالحكم ببطلان الصلاة جماعةً لا محالة . وإذا بطلت صلاة الصفّ الأوّل ، تبطل صلاة مَن خلفهم لا محالة ؛ لبُعدهم عن الإمام بُعداً لا يَسمح بانعقاد الجماعة على أيّ حالٍ . وإذا بطلت الصلاة جماعةً بطلت الصلاة الفرديّة بترك القراءة لا محالة .
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام — صفحة 284
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٨٤