وإن كان هذا الذي أبطله ( قدس سره ) باطلًا في نفسه لغير ما قاله ، فإنَّه إن أُريد بكون الخوف والسفر حكمةً لا علّةً ، كونه كذلك في مرحلة الجعل ، فهو غير صحيحٍ ؛ لأخذه موضوعاً فيه لا محالة ، كما تدلّ عليه الأدلّة الإثباتيّة كما عرفنا . وما دام موضوعاً إذن يدور الحكم مداره لا محالة ، فيكون علّة باصطلاحهم .
وإن أُريد كونه حكمةً في مرحلة الملاك ، فهو لا يتمّ أيضاً ؛ لأنّنا إنَّما نُثبت الملاك بوجود الخطاب ، والخطاب دالٌّ على ثبوت الحكم في كلّ موارد السفر والخوف - بغضّ النظر عمّا يأتي - فيكون ذلك كاشفاً عن وجود الملاك في تمام الموارد . ومن المعلوم استحالة تخلّف الملاك عن الحكم وبالعكس ، ولو كان حكمةً لتخلّف ، فإنّنا لا نعني من الحكمة إلَّا ذلك .
وهذا الذي قلناه مشترك الورود في الخوف والسفر ، بل هو في السفر أَولى ، فمِن الغريب أن يؤخذ السفر في كلامهم على أنَّه حكمةٌ لا علّةٌ ، بنحو التسالم وإرسال المسلّمات .
ثالثها : دعوى انصراف الأدلّة إلى خصوص الحصّة المدّعاة من القصر ، وهي الموجِبة للنجاة أو تقليل الخوف ، دون غيرها من الحصص .
وظاهر عبارته إرجاع الانصراف إلى أحد الدليلين السابقين ، فإنَّه قال : بما تقدّمت الإشارة إليه من انصرافها ، فإذا كنّا قد ناقشنا ما سبق ، لم يبقَ للانصراف وجهٌ محصّلٌ ، على أنَّه قد ثبت في محلّه عدم منع الانصراف عن انعقاد الإطلاق ، ما لم يرجع إلى قصور الظهور عن أدائه « 1 » .
ويمكن تقريب الانصراف بوجهٍ آخر ، وحاصله : أنَّ المنساق والمنصرف
هامش
( 1 ) راجع بحوث في علم الأُصول 3 : 403 ، مباحث الدليل اللفظي ، المطلق والمقيّد ، التنبيه الرابع : الانصراف .