بيان ذلك : إنَّه لا فرق عرفاً بين الإخبار بوجود الشيء خارجاً ، وبين الإخبار بالإحساس به ، فلا فرق بين أن نقول : ( زيدٌ في الدار ) ، وبين أن نقول : ( رأيته في الدار ) . إذن ، فالمنساق من الآية كون الإحساس والخوف ناشئاً من سببٍ واقعيٍّ لا محالة ، ومعه يكون ظاهره التقييد ، بعد أن عرفنا كون التقييد بالمطابقة للواقع بعنوانها أمراً غير عرفيٍّ .
الأمر الثاني : التمسّك بقرينة الامتنان ، وذلك بأن يُقال : بأنَّ صلاة الخوف إنَّما شُرّعت للتخفيف على الخائف امتناناً . وإذا ثبت ذلك ، لا يفرق فيه - كما هو واضحٌ - بين أن يكون سبب الخوف واقعيّاً أو لم يكن ، فإنَّ عدم مشروعيّة هذه الصلاة بالنسبة للخائف المتوهّم خلاف الامتنان ، فيجب ثبوتها في حقّه .
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ :
أمّا أوّلًا : فلعدم وجود الامتنان من هذه الناحية أصلًا ، فإنَّ التخفيف إنَّما يكون بجعل الصلاة قصراً لا بجعلها جماعةً ، كما هو واضحٌ . وإن كان امتناناً من جهة إفساح المجال للحصول على ثواب صلاة الجماعة ، إلَّا أنَّ هذا الامتنان أجنبيٌّ عن محلّ الكلام ؛ لعدم اقتضائه الثبوت في حقّ الخائف المتوهّم .
وأمّا ثانياً : فلإمكان أن يُقال : إنَّ الامتنان - على تقدير ثبوته - إنَّما يتأكّد ثبوته في حقّ الخائف بسببٍ واقعيٍّ ، فإنَّه محتاجٌ إلى التخفيف عن حاله حقيقة ، وأمّا الخائف المتوهّم ، فحيث إنَّه آمنٌ في الحقيقة فهو ليس في حاجةٍ إلى التخفيف عن حاله ، ومن ثَمَّ لا يثبت في حقّه الامتنان ، ولا يكون عدم مشروعيّة هذه الصلاة خلاف الامتنان في حقّه ، فتأمّل .
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام — صفحة 214
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢١٤