وذلك ببيانٍ منّا : أنَّه لا تصل النوبة إلى التعارض حتّى تسقط لمخالفتها للكتاب . فإنَّ الجمع الدلالي متقدّم رتبةً عليه ، وهو في المقام ممكن ؛ وذلك لأنَّ التعارض بين الطائفتين إنَّما حصل لما أشرنا إليه من ظهور كلّ منهما بتعيّن مضمونه وعدم مشروعيّة سواه ، وإلَّا فإن ذات المضمون لا معارضة فيه كما هو واضح .
وإذا تمَّ ذلك فإنَّه يصلح كلّ منهما بصفته قرينة منفصلة معتبرة لتقييد هذا الإطلاق ، ورفع اليد عن هذا الظهور ، فبينما كان يدلّ على وجوب مضمونه - سواء اتي بشيءٍ آخر أو لا - أصبح دالًا على وجوب مضمونه ما لم يؤتَ بالنحو الآخر من الصلاة ، وهو معنى التخيير ، فيكون كلا النحوين مجزياً ومسقطاً للتكليف .
وهذا أمر على مقتضى القاعدة في نفسه ، إلَّا أنَّه بمجرّده لا يكفي ، بل لابدَّ من ملاحظة النسبة بين هذه الصحيحة وبين الآية ، فإنَّها كما كانت معارضة للروايات فإنَّها معارضة لدلالة الآية أيضاً .
وحينئذٍ فإمّا أن يُقال : باندراج الآية ابتداء في الطائفة المعارضة لهذه الصحيحة ، فكما ينتج تقييد صحيحة الحلبي ومؤيّداتها وحملها على التخيير ، كذلك تتقيّد الآية وتحمل على التخيير أيضاً .
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ :
أوّلًا : لعدم قابليّة لسان الآية للتقييد في نفسه ، فإنَّها نصٌّ باختصاص الطائفة الأُولى بركعة واحدة .
وثانياً : أنَّ ضمّ دليلٍ إلى المعارضة وإخراجه منها اختياراً أمرٌ غير صحيح كما هو معروف ، وإنَّما ينضمّ الدليل إلى المعارضة مع اتّحاده مع الطائفة التي ينضمّ إليها في المدلول والرتبة معاً .
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام — صفحة 181
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٨١